سجلت اليونان تراجعًا ملحوظًا في أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى أراضيها بحرًا خلال النصف الأول من عام 2026، لكن الانخفاض لا يبدو متساويًا على مختلف طرق الهجرة، إذ تراجع المسار القادم من تركيا بصورة حادة، بينما ظل الطريق المنطلق من ليبيا نشطًا، خصوصًا باتجاه جزيرتي كريت وجافدوس.
وبحسب بيانات أعلنتها الحكومة اليونانية ونقلتها منصة InfoMigrants في 7 أغسطس/آب 2026، وصل إلى اليونان نحو 15,500 شخص عبر البحر بطرق غير نظامية منذ بداية العام، مقارنة بأكثر من 23 ألفًا خلال الفترة نفسها من عام 2025، بانخفاض يتجاوز الثلث.
تراجع حاد في المسار التركي
كان التراجع الأبرز من جهة تركيا، حيث انخفض عدد الوافدين عبر هذا الطريق بنحو 60% مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي.
وتربط الحكومة اليونانية هذا الانخفاض بتشديد إجراءات مكافحة الهجرة غير النظامية، إلى جانب تكثيف دوريات خفر السواحل اليوناني في بحر إيجه.
وقال وزير الشؤون البحرية اليوناني فاسيليس كيكيلياس إن تعزيز عمليات المراقبة البحرية كان من العوامل التي ساهمت في خفض أعداد الوافدين، مشيرًا كذلك إلى أن خفر السواحل تمكن من إنقاذ أعداد كبيرة من الأشخاص خلال عمليات التدخل البحري.
لكن انخفاض الوصول عبر تركيا لا يعني أن الضغط على الحدود البحرية اليونانية انتهى.
ليبيا.. المسار الأكثر استمرارًا
على الجانب الآخر، سجلت حركة القوارب القادمة من ليبيا انخفاضًا محدودًا لا يتجاوز 4%، وهو تراجع أقل بكثير من الانخفاض المسجل على المسار التركي.
وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة في ظل استمرار وصول القوارب إلى الجزر اليونانية الواقعة في جنوب البلاد، ولا سيما كريت وجافدوس.
وفي أحدث مؤشر على استمرار هذا المسار، تمكن 234 مهاجرًا من الوصول إلى جافدوس أو اعتراضهم في المياه اليونانية خلال فترة قصيرة، وكان يُعتقد أن جميعهم انطلقوا من ليبيا.
وهذا يعني أن الانخفاض العام في أعداد المهاجرين لا يلغي استمرار بعض المسارات البحرية، بل قد يعكس في جزء منه إعادة توزيع لحركة الهجرة بين طرق مختلفة.
تغير خريطة الهجرة البحرية
تكشف الأرقام عن تحول مهم في خريطة الوصول إلى اليونان.
ففي الوقت الذي تراجعت فيه حركة القوارب القادمة من تركيا بشكل كبير، يبدو أن الطريق الليبي يحتفظ بقدر أكبر من النشاط، الأمر الذي يجعل الجزر الجنوبية اليونانية نقطة أكثر أهمية في مراقبة تدفقات الهجرة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه اليونان تعزيز تعاونها مع ليبيا للحد من عمليات الانطلاق من سواحلها، إلا أن استمرار وصول القوارب يشير إلى أن الإجراءات الأمنية والتنسيق بين الدول لم يؤديا حتى الآن إلى وقف هذا المسار.
انخفاض الأرقام لا ينهي الأزمة
رغم التراجع، تبقى أرقام 2026 جزءًا من أزمة هجرة مستمرة في منطقة شرق المتوسط.
فاليونان استقبلت خلال عام 2025 أكثر من 49 ألف شخص عبر طرق غير نظامية، ما يوضح أن الانخفاض المسجل هذا العام لا يعني انتهاء ظاهرة الهجرة البحرية، بل يمثل تراجعًا نسبيًا في وتيرتها خلال الأشهر الأولى من 2026.
كما أن طبيعة الرحلات البحرية نفسها تجعل الأرقام قابلة للتغير بسرعة، إذ يمكن لأي تغير أمني أو سياسي أو اقتصادي في دول الانطلاق أن يدفع أعدادًا أكبر من الأشخاص إلى محاولة العبور.
من تركيا إلى ليبيا
اللافت في المشهد الحالي هو أن المسار التركي فقد جزءًا كبيرًا من زخمه، بينما أصبح المسار الليبي أكثر بروزًا نسبيًا.
وهذا التحول يضع اليونان أمام تحدٍ مزدوج: الاستمرار في ضبط بحر إيجه، وفي الوقت نفسه التعامل مع طريق جديد أو متنامٍ باتجاه كريت وجافدوس.
وبالتالي، فإن قراءة أرقام الهجرة اليونانية لا ينبغي أن تتوقف عند نسبة الانخفاض الإجمالي؛ فالأهم هو أين يتحرك المهاجرون، ومن أي سواحل ينطلقون، وكيف تتغير طرق العبور استجابة للرقابة والظروف السياسية والأمنية.
تراجعت أعداد المهاجرين الواصلين بحرًا إلى اليونان بأكثر من الثلث خلال النصف الأول من 2026، وكان الانخفاض الأكبر على الطريق القادم من تركيا، الذي تراجع بنحو 60%.
لكن الطريق الليبي ظل أكثر نشاطًا، مع استمرار وصول القوارب إلى كريت وجافدوس، ما يشير إلى أن الهجرة لم تتوقف بقدر ما تعيد رسم مساراتها.
وفي ظل استمرار محاولات اليونان تشديد الرقابة البحرية وتعزيز التعاون مع دول شمال أفريقيا، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان انخفاض الأعداد سيستمر خلال الأشهر المقبلة، أم أن الضغط على المسار الليبي سيؤدي إلى ظهور طرق جديدة للوصول إلى أوروبا.





اترك تعليقاً