المغرب في غزة.. مهمة «إنسانية» تعيد رسم علاقته بالاحتلال الإسرائيلي وتثير غضبًا داخليًا

israel flag africa lion drill morocco screengrab.jpg 1

في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في موقع المغرب داخل المشهد الفلسطيني، أصبح المغرب في يوليو/تموز 2026 أول دولة عربية وأفريقية تنشر قوات عسكرية ضمن قوة الاستقرار الدولية في فلسطين (ISF) المنبثقة عن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، في مشاركة تقول الرباط إنها تستهدف دعم السلام والاستقرار وتقديم المساعدة الإنسانية، بينما يرى ناشطون مغاربة أنها قد تضع المملكة في موقع المشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب والاحتلال.

ووقّع المغرب في الرباط، يوم 15 يوليو/تموز، اتفاقًا رسميًا للمشاركة في القوة، بحضور وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، والمدير العام لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، إلى جانب مسؤولين دفاعيين وقائد القوة الدولية جاسبر جيفرز.

وتأتي المشاركة بتوجيه من الملك محمد السادس، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية ورئيس لجنة القدس.

وكانت الخطة الأولية تتحدث عن نشر نحو 500 عسكري مغربي في مخيم للنازحين بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة، قبل خفض العدد إلى نحو 200 جندي، وفق ما أوردته «الجزيرة». ومن المنتظر أن تعمل القوة بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، في وقت لم تكشف فيه وزارة الدفاع المغربية بصورة تفصيلية طبيعة المهام التي سيضطلع بها الجنود المغاربة.

بين المستشفى الميداني والمهام الأمنية

تحاول الرباط تقديم مشاركتها من زاوية إنسانية بالدرجة الأولى، إذ ركز الخطاب الرسمي على مساهمة المغرب في إقامة مستشفى ميداني داخل غزة، معتبرة أن مشاركتها في القوة تعكس التزام المملكة بالسلام والتعاون الدولي والاستقرار الإقليمي.

لكن هذا التوصيف يواجه انتقادات من ناشطين مغاربة مؤيدين للقضية الفلسطينية، يرون أن الحديث عن المساعدات الإنسانية لا يجيب عن السؤال الأساسي: ما الدور العسكري الذي ستؤديه القوات المغربية في قوة يُفترض أن تتولى الترتيبات الأمنية في غزة؟

ويشير تحليل نشره موقع «ميدل إيست آي» إلى أن الغموض الذي يحيط بمهمة القوات المغربية يزيد المخاوف لدى معارضي التطبيع، خصوصًا مع عدم إعلان وزارة الدفاع المغربية تفاصيل واضحة حول قواعد عمل القوة ومهماتها وحدود التنسيق مع “إسرائيل”.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية سعيد صديقي، من جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، أن المستشفى الميداني ينبغي النظر إليه باعتباره مبادرة إنسانية أكثر منه مشروعًا عسكريًا، معتبرًا أن مشاركة المغرب يمكن أن تمنحه فرصة لاستعادة حضور دبلوماسي أكثر وضوحًا في القضية الفلسطينية، إلى جانب دوره التقليدي عبر لجنة القدس ووكالة بيت مال القدس.

لكن هذا الطرح يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيدًا؛ فالاحتلال الإسرائيلي، لم يقدم مؤشرات واضحة على انسحابه من غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، بل صدرت عن شخصيات في اليمين الإسرائيلي، بينها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، دعوات إلى توسيع المستوطنات داخل القطاع.

وهنا يبرز السؤال الذي يطارد المشاركة المغربية: هل يمكن لقوة دولية أن تفرض الاستقرار في غزة بينما لا يزال الاحتلال قائمًا، أم أن المهمة ستتحول عمليًا إلى إدارة واقع ما بعد الحرب وفق الشروط الإسرائيلية والأمريكية؟

التطبيع يواجه اختبارًا جديدًا

Morocco Tangier protest ship weapons Israel 20 April 2025 Bziouat AFP.jpg 1

لا تأتي المشاركة المغربية بمعزل عن مسار تطور العلاقات المغربية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية. فمنذ استئناف العلاقات بين الرباط وتل أبيب، أصبحت مجالات التعاون بين الطرفين أكثر اتساعًا، بما في ذلك التعاون الدبلوماسي والأمني والعسكري.

وفي المقابل، حافظت قطاعات واسعة من المجتمع المغربي على موقف رافض للتطبيع، خصوصًا مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة.

ويشير المؤشر العربي لعام 2025، الصادر عن المركز العربي في واشنطن، إلى أن 89% من المغاربة يعارضون الاعتراف بما يسمى “إسرائيل”، مقابل 6% فقط يؤيدون التطبيع معها.

وهذه الفجوة بين الموقف الرسمي والمزاج الشعبي تجعل المشاركة في قوة الاستقرار أكثر حساسية، إذ يخشى ناشطون أن تتحول العلاقات المغربية الإسرائيلية من تعاون سياسي وأمني إلى انخراط عسكري مباشر في ترتيبات غزة.

ويقول ناشطون مؤيدون لفلسطين إن دخول قوات مغربية إلى القطاع ضمن قوة تعمل بالتنسيق مع “إسرائيل” قد يُفهم باعتباره مساهمة في فرض ترتيبات أمنية على الفلسطينيين، ولا سيما إذا تضمنت مهمة القوة نزع سلاح المقاومة.

غضب في الشارع المغربي

الانتقادات لم تقتصر على تفاصيل المهمة، بل طالت أصل المشاركة نفسها.

ويرى ناشطون مغاربة أن انضمام القوات المغربية إلى القوة الدولية يمثل، من وجهة نظرهم، انتقالًا جديدًا في مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، ويخشى بعضهم من أن تصبح القوات العربية جزءًا من ترتيبات أمنية تفرض على الفلسطينيين بدل أن تكون أداة لحماية المدنيين وإنهاء الاحتلال.

ويصف ناشطون المشاركة بأنها «تواطؤ» مع ما يعتبرونه استمرارًا للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، بينما يرى آخرون أن أي وجود عسكري عربي ينبغي أن يكون مشروطًا بإنهاء الاحتلال وضمان حقوق الفلسطينيين، لا بتثبيت ترتيبات أمنية جديدة داخل القطاع.

وتقول أصوات من الحركة المغربية المؤيدة لفلسطين إن الرهان على الولايات المتحدة و”إسرائيل” لتوفير الأمن والاستقرار للدول العربية رهان محفوف بالمخاطر، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

وفي المقابل، يرى أستاذ العلاقات الدولية سعيد صديقي أن مشاركة المغرب لا تعني بالضرورة اصطفافًا استراتيجيًا ضد أي طرف، ولا ينبغي تفسيرها باعتبارها تخليًا عن القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الرباط تحاول الموازنة بين سياستها الخارجية وبين استمرار الدعم الشعبي الواسع للفلسطينيين.

المغرب.. الاستثناء العربي في قوة غزة

يزداد الجدل بسبب خصوصية المشاركة المغربية. فالمغرب، وفق التقرير، هو الدولة العربية وشمال الأفريقية الوحيدة التي تنشر قوات عسكرية ضمن القوة الدولية، إلى جانب دول مثل كوسوفو وألبانيا وكازاخستان وإندونيسيا وأوغندا.

أما مصر، التي ترتبط جغرافيًا مباشرة بقطاع غزة، فقد اقتصرت مشاركتها على التدريب والدعم اللوجستي.

وهذا يجعل الخطوة المغربية أكثر بروزًا، ويضع الرباط أمام اختبار سياسي مزدوج: فهي تريد من جهة الحفاظ على صورتها كداعم للقضية الفلسطينية ورئيسة للجنة القدس، ومن جهة أخرى تعمّق تعاونها مع “إسرائيل” والولايات المتحدة.

وتزداد حساسية هذا التناقض مع استمرار الحرب وتداعياتها، إذ يرى ناشطون أن المساعدة الإنسانية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والعسكري الذي تتحرك فيه القوة الدولية.

بين الدبلوماسية والمخاطرة السياسية

بالنسبة للرباط، قد تمنح المشاركة فرصة لاستعادة دور أكثر حضورًا في الملف الفلسطيني، خصوصًا أن المغرب يمتلك علاقات مع الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، فضلًا عن موقعه في لجنة القدس.

لكن هذا الدور يحمل مخاطر سياسية كبيرة.

فإذا تحولت القوة الدولية إلى أداة لفرض ترتيبات أمنية على غزة دون انسحاب إسرائيلي واضح أو تسوية سياسية تضمن حقوق الفلسطينيين، فإن وجود الجنود المغاربة قد يضع الرباط في مواجهة مباشرة مع جزء من الرأي العام المغربي، ويزيد من حدة الانتقادات الموجهة إلى مسار التطبيع.

ويبقى الغموض هو السمة الأبرز حتى الآن. فالمغرب أعلن التزامه بالسلام والاستقرار، لكنه لم يكشف بصورة كافية عن طبيعة المهام العسكرية التي ستؤديها قواته داخل غزة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بماذا سيفعل المغرب في غزة، بل بمن سيخدم هذا الوجود العسكري في نهاية المطاف: حماية الفلسطينيين ومساعدتهم على استعادة حياتهم، أم المشاركة في فرض ترتيبات ما بعد الحرب التي تحددها واشنطن وتل أبيب؟

وهو سؤال قد يحدد ليس فقط طبيعة الدور المغربي في غزة، بل أيضًا مستقبل العلاقة بين الرباط وتل أبيب وحدود قبول الشارع المغربي لهذا المسار.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *