داخل آلاف الصفحات من قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2027 (NDAA)، تمر مادة تبدو للوهلة الأولى تقنية ومحدودة، لكنها تحمل أبعادًا استراتيجية وسياسية أوسع بكثير. فقد انتقلت المبادرة الخاصة بتعميق التعاون الدفاعي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من المادة 224 إلى المادة 219 خلال مسارها في مجلس النواب، لتصبح واحدة من أبرز نقاط الجدل حول مستقبل العلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب.
وتقضي المادة بتكليف وزارة الدفاع الأمريكية بتوسيع التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والتقنيات الكمية، والأمن السيبراني، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، والطاقة الموجهة، والدفاع الصاروخي، ودمج الشبكات والبيانات، إلى جانب تطوير التكنولوجيا بصورة مشتركة وإقامة شراكات في الإنتاج والتصنيع.
لكن الجدل الحقيقي لا يتعلق بمشروع بحثي أو صفقة سلاح بعينها، بل بالسؤال الأوسع: هل تنتقل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من التعاون العسكري إلى اندماج مؤسسي وتقني يجعل الفصل بين المنظومتين أكثر صعوبة؟
من المساعدات إلى تشابك الصناعات
ظلت العلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة وما يسمى “إسرائيل” لعقود قائمة بدرجة كبيرة على المساعدات العسكرية الأمريكية، وفي مقدمتها التمويل العسكري الخارجي وبرامج الدفاع الصاروخي.
أما النموذج الذي تطرحه المادة 219 فيدفع باتجاه مستوى أكثر عمقًا من التعاون، من خلال التطوير المشترك، ودمج التقنيات الإسرائيلية في الأنظمة الأمريكية، والإنتاج المشترك، وربط سلاسل التصنيع والتوريد بين البلدين.
وهنا تكمن الأهمية السياسية.
فإذا أصبحت مكونات إسرائيلية جزءًا من منظومة سلاح أمريكية، أو دخلت الشركات الأمريكية والإسرائيلية في خطوط إنتاج مشتركة، فإن العلاقة لن تعود مجرد قرار سياسي يمكن تعديله بسهولة عند كل أزمة، بل ستصبح مرتبطة أيضًا بمصالح صناعية واقتصادية ومناطق انتخابية أمريكية.
وبمرور الوقت، يمكن أن يؤدي هذا التشابك إلى صناعة شبكة من الشركات والمصانع والمقاولين والوظائف المرتبطة باستمرار التعاون، ما يجعل تقليصه سياسيًا أكثر صعوبة.
وهذا هو أحد أبرز مخاوف منتقدي المبادرة: أن يتحول التحالف تدريجيًا من علاقة يمكن للكونغرس إعادة النظر فيها إلى بنية مؤسسية واقتصادية يصعب تفكيكها.
لماذا الآن؟
تأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
فالحرب في غزة وما رافقها من أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين أثارت نقاشًا متزايدًا داخل الولايات المتحدة بشأن طبيعة الدعم العسكري لإسرائيل، بينما بدأت قطاعات من الرأي العام، خصوصًا بين الشباب، تنظر إلى العلاقة مع تل أبيب بصورة أكثر انتقادًا.
وبحسب استطلاع نيويورك تايمز/سيينا، قال 30% فقط من الناخبين إنهم يعتقدون أن قرار الرئيس دونالد ترامب مهاجمة إيران كان صائبًا، مقابل 64% رأوا أنه كان خاطئًا.
كما أشار تقرير آخر إلى أن 16% فقط من الأمريكيين أيدوا إرسال الأسلحة إلى إسرائيل دون فرض قيود إضافية، بينما أيد قرابة ثلثي الأمريكيين وقف نقل الأسلحة أو ربطه بشروط تتعلق بكيفية استخدامها.
وفي استطلاع Economist/YouGov، أيد 49% من المشاركين تنفيذ مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مقابل 27% عارضوا ذلك.
هذه الأرقام، تعكس تغيرًا ملحوظًا في البيئة السياسية الأمريكية مقارنة بالمرحلة التي كان فيها الدعم لإسرائيل يحظى بتوافق أوسع داخل المجتمع والنخب السياسية.
ومن هنا يبرز التناقض: بينما يتزايد الجدل الأمريكي حول حدود العلاقة مع “إسرائيل”، يتحرك الكونغرس باتجاه زيادة تشابك المنظومتين الدفاعيتين.
ماذا عن حقوق الإنسان؟
أحد أبرز الانتقادات الموجهة للمادة 219 هو أنها، لا تربط توسيع التعاون التكنولوجي والعسكري بمعايير جديدة واضحة في مجال حقوق الإنسان أو حماية المدنيين، ولا تنص على مراجعة مستقلة لتقييم آثار هذا التكامل على المصالح الاستراتيجية الأمريكية الأوسع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل استمرار الجدل بشأن استخدام الأسلحة الأمريكية في الحرب على غزة.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد خلصت في تقييم سابق، إلى وجود أساس معقول للاعتقاد بأن أسلحة أمريكية زُودت بها “إسرائيل” ربما استُخدمت بطرق لا تتوافق مع القانون الدولي الإنساني أو معايير حماية المدنيين، مع عدم الوصول إلى استنتاجات قانونية نهائية بشأن ضربات بعينها.
وبالتالي، فإن منتقدي المبادرة لا يعترضون بالضرورة على التعاون التكنولوجي من حيث المبدأ، بل يسألون سؤالًا أكثر تحديدًا: هل ينبغي توسيع التعاون العسكري في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تواجه أسئلة حول كيفية استخدام الأسلحة التي تقدمها لإسرائيل؟
انقسام داخل الحزب الجمهوري
ولا يأتي الاعتراض على المادة 219 من التيارات اليسارية وحدها.
فالمبادرة أصبحت جزءًا من الانقسام المتنامي داخل الحزب الجمهوري نفسه بين تيارين مختلفين في رؤية السياسة الخارجية الأمريكية.
التيار المحافظ التقليدي يرى أن شبكة التحالفات الأمريكية تمثل مضاعفًا للقوة، وأن التعاون مع “إسرائيل” يتيح لواشنطن الاستفادة من خبرات متقدمة في مجالات الدفاع الصاروخي والأمن السيبراني والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية.
أما التيار المرتبط بسياسة «أمريكا أولًا»، فيرى أن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون أكثر حذرًا في توسيع التزاماتها الخارجية، وألا تتحول الشراكات الأمنية إلى التزامات قد تجر واشنطن إلى حروب جديدة.
ويبرز النائب توماس ماسي كأحد الأصوات الجمهورية المعارضة للمادة، إذ حاول حذفها من مشروع قانون الدفاع، لكن محاولته لم تصل إلى تصويت كامل في مجلس النواب.
وهذا بحد ذاته يحمل دلالة: التيار الداعي إلى توثيق العلاقة مع تل أبيب لا يزال يمتلك وزنًا سياسيًا قويًا في الكونغرس، لكن المعارضة لم تعد هامشية كما كانت في السابق.
التحالف الذي قد يصبح من الصعب تفكيكه
جوهر الخلاف يتجاوز “إسرائيل” نفسها.
فالسؤال الذي تطرحه المادة 219 هو: ما الشكل الذي تريد الولايات المتحدة أن تكون عليه قوتها العالمية في السنوات المقبلة؟
هل ستواصل واشنطن بناء تحالفات أمنية أكثر عمقًا، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة التزاماتها الخارجية؟ أم ستتجه نحو سياسة أكثر تحفظًا، تقلل التدخلات الخارجية وتركز على الاقتصاد الأمريكي والمنافسة مع الصين وإعادة بناء الداخل؟
والمادة 219 تقع في قلب هذا النقاش لأنها لا تتعلق فقط بشراء سلاح إسرائيلي أو تمويل مشروع مشترك، بل بإنشاء آلية مؤسسية هدفها توسيع التعاون بصورة مستمرة.
وهنا يرى منتقدون أن الخطر لا يكمن في قرار واحد، وإنما في تراكم القرارات الصغيرة:
تكنولوجيا مشتركة، ثم شبكة متوافقة، ثم قاعدة بيانات مشتركة، ثم خط إنتاج مشترك، ثم شركات أمريكية تعتمد على المكونات الإسرائيلية، ثم وظائف ومصانع مرتبطة بالبرنامج.
وعند تلك النقطة، يصبح التراجع عن التعاون أكثر تكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
معركة لم تنتهِ بعد
مع ذلك، فإن المادة لم تصبح بعد سياسة نهائية لا رجعة فيها.
فمشروع قانون الدفاع لا يزال بحاجة إلى استكمال مساره التشريعي في مجلس الشيوخ، وإذا اختلف النص الذي يقره المجلسان، فستكون هناك حاجة إلى تسوية بينهما قبل وصول التشريع إلى مراحله النهائية.
وبالتالي، فإن الصيغة الحالية قد تتغير خلال العملية التشريعية.
لكن أهمية المادة تجاوزت بالفعل حدودها التقنية؛ فقد تحولت إلى اختبار سياسي لاتجاه السياسة الخارجية الأمريكية.
فالمؤيدون يرون فيها وسيلة للاستفادة من التفوق الإسرائيلي في بعض التقنيات العسكرية وتعزيز قدرة الولايات المتحدة على مواجهة الصين وروسيا وتهديدات أخرى.
أما المعارضون فيخافون من أن يؤدي تعميق الترابط إلى تقليص قدرة واشنطن على اتخاذ قرارات مستقلة في أزمات الشرق الأوسط، وربما جعل الولايات المتحدة أكثر ارتباطًا بتبعات العمليات العسكرية الإسرائيلية.
الخلاصة
المادة 219 ليست مجرد بند إضافي في ميزانية الدفاع الأمريكية، بل تعكس صراعًا أوسع حول مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ومستقبل الدور الأمريكي في العالم.
فإذا مضت المبادرة إلى نهايتها، فإن واشنطن وتل أبيب ستقتربان أكثر في مجالات التكنولوجيا العسكرية والتصنيع والشبكات والبيانات، بما قد يجعل التعاون بينهما أكثر رسوخًا من نموذج المساعدات العسكرية التقليدي.
لكن المفارقة السياسية تكمن في أن هذا التعميق يأتي في وقت يتزايد فيه الجدل داخل الولايات المتحدة حول الحرب في غزة، واستخدام الأسلحة الأمريكية، وحدود الالتزام تجاه إسرائيل، وجدوى التدخلات العسكرية الخارجية.
ولهذا فإن المعركة حول المادة 219 ليست في حقيقتها معركة حول الذكاء الاصطناعي أو الطائرات المسيّرة أو الدفاع الصاروخي فحسب؛ إنها معركة حول سؤال أكبر: هل تريد الولايات المتحدة تحالفًا أمريكيًا إسرائيليًا أكثر اندماجًا، أم أن واشنطن بدأت تكتشف أن تكلفة هذا الاندماج قد تكون أعلى مما كانت مستعدة لدفعه؟






اترك تعليقاً