يدخل حصار ثلاث عائلات فلسطينية في بلدة قُصرة جنوب نابلس أسبوعه الثاني، وسط أوضاع إنسانية متفاقمة، بعدما حاصر مستوطنون مسلحون، بحماية ومشاركة قوات الاحتلال الإسرائيلي، منازل العائلات وقطعوا عنها المياه والكهرباء والإمدادات الأساسية، في واقعة اعتبرتها منظمة العفو الدولية جزءًا من نمط متصاعد من «الإرهاب الاستيطاني المنظم والاستراتيجي» الهادف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم.
ولا يزال 15 فلسطينيًا، بينهم طفلان، محتجزين داخل ثلاثة منازل في منطقة رأس العين بقُصرة، في ظل انتشار المستوطنين وقوات الاحتلال حول المنطقة ومنع السكان من الوصول بصورة طبيعية إلى الغذاء والمياه والكهرباء.
وقالت الأمم المتحدة، إن السكان يعيشون محاصرين داخل منازلهم وفي حالة من الخوف، وغير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، مع استمرار انقطاع المياه والكهرباء عنهم.
منع المياه عن العائلات المحاصرة
وتفاقمت الأزمة الإنسانية بعدما اعترضت قوات الاحتلال الإسرائيلي قافلة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» كانت تحاول إيصال مساعدات إلى العائلات المحاصرة.
وسُمح لمركبتين بإيصال بعض المواد الغذائية، لكن قوات الاحتلال منعت صهريجًا للمياه من الوصول إلى المنازل وأجبرته على مغادرة المنطقة، ما أبقى العائلات دون مصدر منتظم للمياه. وفي اليوم السابق، هاجم مستوطنون عمالًا تابعين للبلدية وجرافة كانت تحاول إصلاح شبكات الخدمات التي تعرضت للتخريب.
وقال رئيس بلدية قُصرة عبد العظيم وادي إن البلدية لم تتمكن من إعادة المياه والكهرباء إلى المنازل الثلاثة المحاصرة، واصفًا ما تعيشه العائلات بأنه وضع «منزوع من الإنسانية»، رغم كل ما يُتحدث عنه دوليًا بشأن حقوق الإنسان والأطفال والنساء.
وتقول منظمة العفو الدولية إن العائلات الثلاث ظلت محاصرة في منازلها منذ الأحد 9 أغسطس/آب 2026 الموافق 26 صفر 1448هـ، بعدما تعرضت على مدى أشهر لتهديدات ومضايقات وهجمات من مستوطنين قادمين من بؤر استيطانية قريبة. وأكدت المنظمة أن السكان بدأوا يعانون نقصًا في الطعام والمستلزمات الأساسية والمياه الجارية.
الاحتلال يحاصر المنازل بدلًا من إبعاد المستوطنين
وتشير الوقائع الميدانية إلى دور مباشر لقوات الاحتلال الإسرائيلي في فرض الحصار، إذ أفاد مراسل الجزيرة في قُصرة بأن قوات الاحتلال توفر الحماية للمستوطنين وتتحرك معهم في المنطقة، بينما يحاول المستوطنون إبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم ومنازلهم.
وأكدت منظمة العفو الدولية بدورها أن قوات الاحتلال سمحت للمستوطنين بالبقاء على مقربة من المنازل رغم الاعتداءات، بل إن مصادر في قُصرة أبلغت المنظمة بأن قوات الاحتلال أجبرت عائلتين من العائلات المحاصرة وست عائلات مجاورة على إخلاء منازلهم مؤقتًا، واستخدمت بعض المنازل لأغراض عسكرية.
ولخص أحد السكان المشهد بقوله لمنظمة العفو الدولية إن القوات، عوضًا عن إبعاد المعتدين، أبعدت العائلات التي تتعرض للهجوم وتركت المستوطنين في المكان.
كما حوّل جيش الاحتلال أحد المنازل أعلى التلة إلى موقع عسكري، وأعلن المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، ما أدى إلى إبعاد ناشطين دوليين ومتضامنين كانوا يحاولون الوصول إلى الأهالي.
وفي الوقت نفسه، تشير التقارير إلى عدم تنفيذ أوامر إخلاء بحق البؤرة الاستيطانية المقامة غرب البلدة، والتي ينطلق منها مستوطنون مشاركون في حصار المنازل الفلسطينية.
«لن نترك بيوتنا»
ورغم الحصار وانقطاع الخدمات، يؤكد السكان تمسكهم بمنازلهم وأراضيهم.
وقال قصي أبو ريدة، أحد المحاصرين، إن العائلات قررت الصمود وعدم مغادرة المكان مهما اشتدت الضغوط أو قُطع عنها الطعام والماء والدواء، مؤكدًا أن المنزل والأرض يمثلان ثمرة جهد العائلة وإرث أجدادها، وأن التخلي عنهما للمستوطنين ليس خيارًا مطروحًا.
ويثير ذلك مخاوف من أن يكون الحصار وسيلة لإجبار السكان على الرحيل من دون إصدار قرارات تهجير رسمية، عبر جعل الحياة داخل المنازل شبه مستحيلة وفرض واقع أمني وإنساني يدفع أصحاب الأراضي إلى مغادرتها.
العفو الدولية: ليس حادثًا منفردًا
وفي موقف شديد اللهجة صدر في 14 أغسطس/آب 2026 الموافق 1 ربيع الأول 1448هـ، قالت إريكا غيفارا روساس، المديرة العليا للبحوث والمناصرة والسياسات والحملات في منظمة العفو الدولية، إن ما يجري في قُصرة «بعيد عن أن يكون حادثًا معزولًا».
وأكدت أن الأحداث تعكس تصعيدًا مستمرًا لنمط موثق من «إرهاب المستوطنين المنسق والاستراتيجي»، تقول المنظمة إنه يحظى بالدعم والتمكين والتمويل من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ويهدف إلى تهجير الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية المحتلة.
وشددت المنظمة على أن الاحتلال الإسرائيلي، باعتباره القوة القائمة بالاحتلال، ملزم قانونًا بحماية السكان الفلسطينيين الواقعين تحت سيطرته، لا الوقوف إلى جانب المستوطنين أثناء حصار المنازل وحرمان العائلات من الرعاية الصحية والمياه والكهرباء.
كما دعت المجتمع الدولي إلى التوقف عن التعامل مع الاعتداءات الاستيطانية باعتبارها حوادث منفردة، معتبرة أن العنف والتهجير والاستيلاء على الأراضي باتت أجزاء مترابطة من سياسة أوسع في الضفة الغربية المحتلة.
مخاوف من تحويل قُصرة إلى نموذج للتهجير
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن خطورة ما يجري لا تقتصر على مصير العائلات الثلاث.
وقال الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي إن الهدف المباشر يتمثل، بحسب تقديره، في السيطرة على أراضي المنطقة وإجبار سكانها على الرحيل من خلال التخويف والعنف، لكنه حذر من أن الهدف الأبعد هو إرسال رسالة إلى بقية قرى الضفة الغربية مفادها أن ما يحدث في قُصرة يمكن أن يتكرر في مناطق أخرى.
وتأتي أزمة قُصرة في سياق توسع استيطاني متسارع في أنحاء الضفة الغربية. وتقول منظمة العفو الدولية إن سلطات الاحتلال كثفت في السنوات الأخيرة عمليات الاستيلاء على الأراضي والدعم المالي واللوجستي للمستوطنات، وسلّحت مستوطنين، بما أسهم – وفق المنظمة – في تصاعد العنف وعمليات التهجير القسري للفلسطينيين.
وبحسب البيانات، أقام المستوطنون أكثر من 300 بؤرة استيطانية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، الموافق ربيع الأول–ربيع الآخر 1445هـ تقريبًا، فيما جرى الدفع بخطط لإقامة 104 مستوطنات جديدة.
وتجعل هذه التطورات من حصار قُصرة أكثر من مجرد مواجهة محلية بين سكان ومستوطِنين؛ إذ ترى جهات حقوقية فلسطينية ودولية أن البلدة باتت نموذجًا لطريقة يجري من خلالها الجمع بين عنف المستوطنين والحماية العسكرية والضغط على الخدمات الأساسية لدفع الفلسطينيين تدريجيًا بعيدًا عن أراضيهم.
وبينما تواصل العائلات المحاصرة تأكيد رفضها الرحيل، يبقى السؤال الأوسع هو ما إذا كان ما يحدث في قُصرة سيظل حالة محدودة، أم يتحول إلى نموذج يتكرر في قرى أخرى بالضفة الغربية المحتلة، وهو السيناريو الذي تحذر منه منظمة العفو الدولية ومسؤولون فلسطينيون باعتباره جزءًا من مسار متسارع للاستيطان والتهجير.






اترك تعليقاً