العراق وإيران يعززان شراكتهما الاستراتيجية وسط الحرب.. هل تتحول بغداد إلى ركيزة إقليمية لطهران أم إلى وسيط مع واشنطن؟

afp 6a61f124e3ca 1784803620

في خضم التصعيد العسكري المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى رئيس الوزراء العراقي علي الزايدي أول زيارة رسمية له إلى طهران منذ توليه منصبه في مايو الماضي، في خطوة تعكس أهمية العلاقة بين البلدين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وتثير تساؤلات حول الدور الذي قد يلعبه العراق في مسار الحرب أو جهود احتوائها.

وشهدت الزيارة لقاءات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وكبار المسؤولين الإيرانيين، أسفرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الخارجية والاقتصاد والطاقة والمالية، إلى جانب الاتفاق على إعداد اتفاقية تعاون استراتيجي طويلة الأمد تكون إطاراً ناظماً للعلاقات الثنائية خلال السنوات المقبلة.

وأكد الجانبان عزمهما تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية المشتركة، وعلى رأسها مشروع سكة حديد البصرة – شلمجة، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والمصارف والنقل والاستثمار، مع إزالة العقبات القانونية والإدارية أمام المشاريع المشتركة.

وخلال المباحثات، شدد الزايدي على أن العراق “لن يقبل بأي عمل عدائي ضد إيران ينطلق من أراضيه”، معرباً عن تقدير بلاده للدعم الإيراني في الحرب ضد تنظيم داعش، فيما أكد الرئيس الإيراني أن أمن العراق وإيران “مترابط”، وأن خطة التعاون الاستراتيجي ستشكل خارطة طريق لتوسيع العلاقات بين البلدين.

كما أكد البيان الختامي للزيارة دعم الحلول السياسية للأزمات الإقليمية عبر الحوار والدبلوماسية، مع تجديد التأييد للقضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وتأتي الزيارة في وقت يعتمد فيه العراق بشكل كبير على واردات الغاز والكهرباء الإيرانية، بينما يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 12 مليار دولار سنوياً، ما يجعل العراق أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، إلى جانب الروابط الدينية والسياسية العميقة بين البلدين.

أبعاد الزيارة في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية

تتجاوز أهمية هذه الزيارة الجانب الاقتصادي، إذ تحمل رسائل سياسية وأمنية مرتبطة بالحرب الدائرة بين واشنطن وطهران.

فمن جهة، تؤكد بغداد أنها لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى منصة لاستهداف إيران أو إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الطرفين، وهو موقف يهدف إلى حماية العراق من الانجرار إلى حرب قد تكون كلفتها الأمنية والاقتصادية باهظة.

ومن جهة أخرى، يرى مراقبون أن توقيت الزيارة يمنح إيران فرصة لإظهار أنها لا تزال تحتفظ بعلاقات إقليمية متينة رغم الضغوط العسكرية والعقوبات، وأنها قادرة على تعزيز شراكاتها مع دول الجوار حتى في ظل الحرب.

ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ظل استمرار وجود قوات أمريكية داخل العراق، ما يجعل بغداد أمام معادلة معقدة تتمثل في الحفاظ على شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، دون الإضرار بعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران.

بغداد بين الوساطة وضغوط الطرفين

ويرى محللون أن العراق يسعى إلى لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، مستفيداً من علاقاته مع الجانبين. ونقلت الجزيرة عن المحلل السياسي غالب الدعمي أن زيارة الزايدي تضمنت، بحسب تقديره، رسائل متبادلة، بينها دعوة إيران إلى ضبط أنشطة الفصائل المسلحة داخل العراق، ونقل موقف أمريكي يدعم استمرار بغداد في جهود الوساطة.

إلا أن نجاح هذا الدور يبقى مرتبطاً بمسار الحرب نفسها؛ فكلما تصاعدت العمليات العسكرية تقلصت مساحة المناورة أمام الحكومة العراقية، وازدادت الضغوط عليها لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً.

قراءة استراتيجية

إذا استمرت الحرب واتجهت الولايات المتحدة إلى توسيع عملياتها ضد إيران، فإن العراق سيصبح أحد أكثر الدول تأثراً، نظراً لوجود قواعد ومصالح أمريكية على أراضيه، ولارتباط عدد من الفصائل المسلحة العراقية بإيران. وهذا يرفع احتمالات تعرض العراق لضغوط أمنية أو اقتصادية، أو حتى لتحوله إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الطرفين.

وفي المقابل، إذا نجحت بغداد في الحفاظ على توازن علاقاتها مع واشنطن وطهران، فقد تعزز مكانتها كقناة اتصال إقليمية تسهم في احتواء التصعيد وإحياء المسار الدبلوماسي، وهو ما يتماشى مع تأكيد البيان المشترك على أن الحوار هو السبيل الوحيد لمعالجة أزمات المنطقة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *