العراق أمام سنوات التقشف؟ أزمة السيولة تكشف هشاشة الاقتصاد المعتمد على النفط

2023 01 23T170345Z 1614895064 RC29WY9RG4X2 RTRMADP 3 IRAQ IRAN CAMPAIGN 1786002438

دخل العراق مرحلة مالية شديدة الحساسية، بعدما بدأت الحكومة تواجه فجوة متزايدة بين إيراداتها والتزاماتها الشهرية، في ظل تراجع عائدات النفط وتأثر صادرات البلاد بإغلاق مضيق هرمز. وتحولت أزمة السيولة من مشكلة مالية داخل أروقة الدولة إلى مصدر قلق مباشر لملايين الموظفين والمتقاعدين والأسر التي تعتمد على الإنفاق الحكومي.

وجاءت العبارة التي أطلقها وزير الصحة العراقي عبد الحسين الموسوي أمام العاملين في وزارته: «لا توجد أموال»، لتكشف بصورة غير معتادة حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة، بعدما أصبحت الأولوية تأمين الرواتب والالتزامات الأساسية للدولة.

وبحسب المعطيات التي نقلتها الجزيرة، تحتاج الحكومة العراقية إلى نحو 10.8 تريليون دينار شهريًا، أي قرابة 8.24 مليارات دولار، لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية، فيما تبلغ رواتب الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية وحدها نحو 7.8 تريليونات دينار شهريًا.

فجوة مالية تتسع

تكشف الأرقام حجم الاختلال بين موارد الدولة ونفقاتها. فقد بلغت الإيرادات الحكومية خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران نحو 3 تريليونات دينار شهريًا فقط، بينما يتجاوز الإنفاق الجاري هذا الرقم بصورة كبيرة.

وفي الوقت الذي تمكنت فيه الحكومة من توفير نحو 3.5 تريليونات دينار من رواتب الشهر الحالي، أضافت وزارة المالية 1.65 تريليون دينار، بقي عجز يقدر بنحو 3.2 تريليونات دينار لتغطية الرواتب الحالية.

ولا تبدو المشكلة مرتبطة بشهر واحد، إذ إن استمرار انخفاض الإيرادات مقابل التزامات ثابتة أو متزايدة يضع الحكومة أمام خيارات صعبة، من بينها الاقتراض وخفض الإنفاق وتأجيل بعض الالتزامات.

وقد أقر المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي بأن بغداد قد تضطر إلى الاقتراض داخليًا وخارجيًا إذا استمرت تداعيات إغلاق مضيق هرمز.

هرمز يكشف نقطة الضعف العراقية

يمثل النفط العمود الفقري للمالية العامة العراقية، ولذلك فإن أي اضطراب كبير في صادراته ينعكس سريعًا على قدرة الحكومة على تمويل رواتب الموظفين والخدمات والمشروعات.

وقد أدى توقف الصادرات عبر مضيق هرمز إلى الضغط على الإيرادات النفطية، في وقت لم تتمكن فيه بغداد من الاعتماد بصورة كافية على منافذ تصدير بديلة عبر تركيا وسوريا والأردن والسعودية، بسبب تعقيدات سياسية ومشكلات مرتبطة بالبنية التحتية ومسارات التصدير.

وهكذا كشفت الأزمة أن مشكلة العراق ليست في حجم موارده النفطية فقط، بل في مدى ارتباط المالية العامة بمورد واحد؛ فحين يتعرض النفط أو طرق تصديره لصدمة، تنتقل آثارها سريعًا من قطاع الطاقة إلى الخزينة، ثم إلى الرواتب والأسواق ومستوى معيشة المواطنين.

التقشف يطرق باب البطاقة التموينية

ومع اتساع الفجوة المالية، بدأت الحكومة بحث إجراءات لتقليص الإنفاق وترشيده، وهي إجراءات يمكن أن تترك آثارًا مباشرة على حياة المواطنين.

ومن بين الخيارات المطروحة خفض مخصصات وزارة التجارة من 12 تريليون دينار إلى 7 تريليونات، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص مواد البطاقة التموينية وتوزيعها حتى نهاية العام على حصتين فقط للأسرة.

كما تدرس الحكومة فرض رسم قدره 4 آلاف دينار على البطاقة التموينية، وتقليص عدد المستفيدين منها من نحو 27 مليونًا إلى 20 مليون مواطن، إلى جانب بحث تأجيل إدراج الأطفال في نظام البطاقة حتى بلوغهم الثالثة.

وتتوقع الحكومة أن توفر هذه الإجراءات ما بين 700 و800 مليار دينار سنويًا.

لكن هذه الخطوات تحمل كلفة اجتماعية محتملة، خصوصًا في بلد تعتمد فيه شرائح واسعة من السكان على الدعم الحكومي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

الكهرباء.. مورد آخر لا يصل إلى الخزينة

لا تتوقف الأزمة عند النفط أو البطاقة التموينية، فالحكومة تواجه أيضًا مشكلة في تحصيل إيرادات قطاع الكهرباء.

وبحسب المصادر التي نقلتها الجزيرة، لا تتجاوز نسبة تحصيل فواتير الكهرباء 14 بالمئة، بينما تبقى 86 بالمئة من المستحقات غير محصلة.

وهذا يعني أن الدولة لا تواجه مشكلة في إنتاج الكهرباء وتوفيرها فحسب، وإنما تواجه كذلك صعوبة في تحويل الخدمة إلى مورد مالي يمكن أن يساعدها على تمويل القطاع وتطويره.

وتزداد أهمية هذه المشكلة مع محاولة الحكومة توسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد؛ إذ إن ضعف الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، يظل أحد العوائق أمام جذب الاستثمار وتوسيع النشاط الاقتصادي خارج القطاع النفطي.

هل يدخل العراق سنوات عجاف؟

المفارقة أن الأزمة الحالية تأتي بينما كانت الحكومة تسعى إلى تنفيذ برنامج اقتصادي يهدف إلى دفع مشروع «طريق التنمية» وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص والشركات الدولية، في محاولة لتقليل الاعتماد على النفط.

لكن أزمة هرمز أظهرت أن الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعًا لا يزال بعيدًا عن الاكتمال.

فالعراق لا يفتقر إلى الموارد أو الإمكانات، لكن المشكلة تكمن في بنية مالية تجعل الدولة شديدة الحساسية لتقلبات أسعار النفط وحركة صادراته.

وهنا يرى خبراء ومراقبون، أن ما يجري لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد أزمة سيولة مؤقتة، بل باعتباره نتيجة تراكمية لسنوات من الاعتماد على النفط بوصفه المصدر الأساسي للخزينة العامة.

وبهذه القراءة، فإن أزمة الرواتب الحالية ليست سوى إنذار جديد لمشكلة أعمق: كلما بقيت الدولة مسؤولة عن كتلة ضخمة من الرواتب والدعم والإنفاق العام، من دون تنويع حقيقي لمصادر الدخل، سيظل أي اضطراب في سوق النفط أو طرق التصدير قادرًا على إحداث صدمة مالية واسعة.

بين الاقتراض والتقشف وتنويع الاقتصاد

أمام بغداد ثلاثة مسارات رئيسية: الاقتراض لتجاوز الأزمة، وتقليص الإنفاق، وتسريع الإصلاح الاقتصادي.

الاقتراض يمكن أن يمنح الحكومة وقتًا لتأمين الرواتب والالتزامات العاجلة، لكنه لا يمثل حلًا دائمًا إذا لم تتغير أسباب العجز.

أما التقشف فقد يوفر أموالًا للخزينة، لكنه قد يفرض كلفة اجتماعية قاسية إذا مسّ المواد الغذائية أو الخدمات الأساسية أو دخول الأسر محدودة الدخل.

ويبقى الخيار الأكثر استدامة هو تنويع الاقتصاد العراقي، من خلال تطوير الزراعة والصناعة والخدمات والاستثمار الخاص، وتحسين تحصيل إيرادات الكهرباء والضرائب والجمارك، وإصلاح المؤسسات العامة، إلى جانب تطوير منافذ تصدير متعددة تقلل من اعتماد العراق على مسار واحد.

فالمشكلة التي ظهرت اليوم بسبب اضطراب مضيق هرمز يمكن أن تتكرر غدًا بسبب صدمة أخرى في سوق الطاقة أو السياسة الإقليمية.

الأزمة أبعد من تأخر الراتب

ما يحدث في العراق لا يتعلق فقط بتأخر رواتب الموظفين أو نقص السيولة في خزينة الدولة. إنه اختبار لنموذج اقتصادي كامل بُني لعقود على إيرادات النفط والإنفاق الحكومي.

وإذا اضطرت بغداد إلى خفض الدعم وتقليص الإنفاق واللجوء إلى الاقتراض، فإن ذلك قد يكون مجرد معالجة مؤقتة لأزمة أعمق.

فالسؤال الذي تطرحه الأزمة العراقية اليوم ليس: من أين ستأتي الحكومة بأموال رواتب هذا الشهر؟ بل: كيف يستطيع العراق بناء اقتصاد لا يتوقف استقراره المالي كلما تعطل طريق النفط؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *