قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: الردع أم التمييز؟

الردع أم التمييز؟ قراءة في قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: الردع أم التمييز؟


قراءة في قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان

الردع أم التمييز؟

بقلم أ. عزالدين الرمحي المختص بالعلوم السياسية و الشؤون الدولية

المقدمة

في ظل تزايد التشريعات العقابية التي يشهدها الكنيست الإسرائيلي برز قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين كواحد من أكثر القوانين إثارة للجدل على الصعيدين المحلي والدولي. فبينما سوقت له الأغلبية البرلمانية في “إسرائيل” كأداة ردع لمواجهة العمليات الفلسطينية، أعدته منظمات حقوق الإنسان والمنظمات القانونية الدولية انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.

هذا المقال يسعى إلى قراءة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، للإجابة على السؤال المحوري : هل يمثل هذا القانون أداة ردع مشروعة وفق المعايير الدولية، أم أنه يعكس سياسة تمييزية منظمة تخالف التزامات “إسرائيل” بموجب القانون الدولي؟

أولاً: القانون من النص إلى السياق

في فبراير 2023، أقر الكنيست الإسرائيلي تعديلًا على قانون العقوبات العسكرية في قراءة أولى، قبل أن يُقر نهائيًا بعد الموافقة عليه في القراءة الثانية والثالثة في الكنيست الإسرائيلي بحلول نهاية الشهر المنصرف للعام 2026 .

يُطبق هذا القانون على الأسرى الفلسطينيين الذين يحاكمون أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بينما لا يسري على المستوطنين أو المواطنين الإسرائيليين الذين يُحاكمون أمام المحاكم المدنية الإسرائيلية .
هذا الفصل التمييزي في النظام القضائي يشكل أول مؤشر على الطابع التمييزي للقانون بينما يسري على الأسرى الفلسطينيين لا يسري على المستوطنين الذين يرتكبون أعمال عنف بحق الفلسطينيين.

اقرأ أيضًا: إعدام الأسرى في العراق يتصعد.

ثانيًا: الردع المزعوم – قراءة نقدية

يرى المؤيدون للقانون، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير و رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو أن عقوبة الإعدام تشكل رادعًا فعالًا ضد العمليات الفلسطينية المسلحة ، وأن تخفيض القيود القضائية يسرع تحقيق العدالة لضحايا “الإرهاب” الإسرائيليين. لكن هذه الحجج تتصادم مع العديد من الحقائق:

أولاً : المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية كالموساد والشاباك حذرت من أن تبني عقوبة الإعدام قد يعقد ملف الأسرى ويؤثر سلبًا على صفقات تبادل الأسرى المستقبلية ، وحذرت من أن هذا القانون قد يؤدي الى تصعيد العمليات الفلسطينية بدل ردعهم كإجراء انتقامي ترفض هذا القانون جملةً وتفصيلاً .

ثانياً : الردع في القانون الدولي لحقوق الإنسان يشترط التناسب والضرورة والمشروعية الإجرائية. والتعديل الجديد يقلص الإلتزامات الإجرائية ، مما يخرجه من دائرة الردع المشروع إلى دائرة العقاب العشوائي والجماعي.

ثالثًا: التمييز المنهجي – قراءة حقوقية

على الصعيد الآخر يبرز قانون الإعدام كحالة نموذجية للتمييز الممنهج الذي يمارس ضد الفلسطينيين في نظام القضاء الإسرائيلي.

التمييز على الأساس القومي : المستوطنون الإسرائيليون الذين يرتكبون أفعالًا عدوانية (وحتى أكثر خطورة وفق الإحصاءات الحقوقية) يُحاكمون أمام محاكم مدنية لا تعترف بعقوبة الإعدام، بينما الفلسطينيون يُحاكمون أمام محاكم عسكرية تخضع لتشريعات عقابية استثنائية بعد إقرار قانون الإعدام بحق الفلسطينيين . هذا الازدواج في المعايير القضائية يشكل انتهاكًا صارخاً لمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة 26 من القانون الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

التمييز في سياق الاحتلال: المادة 68 من اتفاقية جنيف الرابعة تسمح بفرض عقوبة الإعدام على سكان الأراضي المحتلة فقط بضمانات قضائية صارمة ومحددة ، وبشرط ألا تُنفذ بحق أشخاص قاصرين لم يبلغوا السن القانوني ١٨ عاماً.
أما التعديل الإسرائيلي بتقليصه الضمانات، يخالف هذه الأحكام.

كما أن رأي محكمة العدل الدولية لعام 2004 أكد أن إجراءات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية تخضع للقانون الدولي الإنساني، الذي لا يسمح بفرض عقوبات تمييزية تشمل الفصل العنصري والتمييز على أساس قومي أو ازدواجية في القوانين الخاصة بالقضاء والعقوبات.

التمييز كسياسة منهجية: منظمات حقوق الإنسان الدولية، بما فيها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وثقت أن القانون الإسرائيلي يعيد إنتاج نمط من التمييز المؤسسي والعنصري ضد الفلسطينيين كما جاء تقرير منظمة بتسيلم لعام 2023 أن النظام القضائي العسكري في الضفة الغربية يصدر أحكامًا بحق الفلسطينيين تصل إلى 99% منها بالإدانة، في تناقض صارخ مع نسب الإدانة في المحاكم المدنية للمستوطنين الذين يشاركون في أعمال عدائية تجاه المدنيين الفلسطينيون في القرى والمدن بالضفة الغربية والقدس.

رابعًا: قانون الإعدام بالنسبة للقانون الدولي
عند تحليل قانون الإعدام وفق المعايير الدولية، تبرز جملة من الانتهاكات الصارخة والمتعارضة مع القانون الدولي الإنساني منها :

  1. انتهاك حق الحياة: المادة 6 من القانون الدولي للحقوق المدنية والسياسية تحظر إصدار أحكام بالإعدام إلا في حالات محددة جداً وبضمانات قضائية كاملة. أما التعديل الإسرائيلي يخرق هذه المعايير.
  2. انتهاك مبدأ عدم التمييز: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD) تفرض على الدول الأطراف اتخاذ إجراءات للقضاء على التمييز في كافة المجالات وهو ما يتعارض مع تشريع قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين دون المستوطنين وهو ما يشكل تمييزًا قائمًا على الأصل القومي وهو مخالف للإتفاقية .
  3. انتهاك التزامات الاحتلال: “إسرائيل”، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني في الأراضي المحتلة. والمادة 75 من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف التي تشترط وجود ضمانات قضائية عادلة لسكان الأراضي المحتلة، وهو ما ينقضه التعديل الإسرائيلي الجديد.

الخاتمة
إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي سوق له كمشروع ردعي، يظهر تحت التحليل الحقوقي كإجراء تمييزي يخالف القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ويضربهم بعرض الحائط.

إن الاستمرار في تطبيق هذا القانون سوف يؤدي إلى مزيد من التوتر في الصراع، وتقويض آفاق التسوية السياسية والسلام ، و يعرض “إسرائيل” لمساءلة دولية متزايدة. وإلغاء هذا القانون هو الخطوة الأساسية لاستعادة الحد الأدنى من العدالة في نظام العقوبات المطبق على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

المصادر والمراجع :

  • الكنيست الإسرائيلي: نص تعديل قانون العقوبات العسكرية، 2023.
  • بتسيلم: “إعدام دون محاكمة: التعديل الجديد لقانون العقوبات العسكرية”، 2023.
  • هيومن رايتس ووتش: “إسرائيل: قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين انتهاك خطير”، 2023.
  • العفو الدولية: “تقرير حول أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة”، 2024.
  • محكمة العدل الدولية: الرأي الاستشاري بشأن الجدار العازل، 2004.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 1966.
  • اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين في زمن الحرب، 1949.

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا