يشهد الشرق الأوسط تعزيزات عسكرية أمريكية مكثفة، تجاوز زخمها النوعي وقوتها التدميرية ماحُشد سابقا، ومع وصول هذه الحشود إلى مستويات غير مسبوقة، بدأ المراقبون يصفون المشهد بـ” العاصفة المتجمعة”، لتجاوزه بمراحل حدود الردع التقليدي، فصارت المنطقة وجها لوجه أمام احتمالات صدام وشيك.
ولفهم أبعاد هذا الحشد، لابد من العودة قليلاً إلى يونيو 2025؛ حينها قادت الولايات المتحدة وإسرائيل أضخم مناورات جوية وبحرية في تاريخ المنطقة، عُرفت بـ “محاكاة الضربات الجراحية”.
ركزت تلك التدريبات على دمج القوة الجوية الشبحية (F-22 و B-2) مع الحشد البحري المكثف، لاختبار سيناريوهات تدمير منشآت نووية محصنة مثل “فوردو” و “نطنز”.
اليوم، يرى الخبراء أن واشنطن لم تعد تتدرب، بل انتقلت إلى مرحلة “التموضع القتالي” لتنفيذ ما تدربت عليه إذا فشلت لغة الدبلوماسية.
فكل مايقع عسكريا من طرف أمريكا في الشرق الاوسط لم يعد فقط عملية تدوير للقوات وإنما هو تصعيد منظم. إذ تم تطويق المنطقة بحريا من اتجاهين:
– بحر العرب (جنوب إيران) تمركزت فيه حاملات طائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن”, USS Abraham Lincoln “.
– والبحر المتوسط (قبالة سواحل إسرائيل) دخلت فيه أضخم حاملة طائرات في العالم، يوم إس إس جيرالد فورد (CVN 78).
أما في مضيق هرمز والخليج العربي، تنتشر قطع بحرية أصغر لكنها فتاكة، مثل السفينة يو إس إس مكفول، وسفن قتالية ساحلية (LCS) مثل يو إس إس سانتا باربرا، مهمتها الأساسية هي مكافحة الألغام وحماية ناقلات النفط من أي محاولة احتجاز.
في حين أن نقاط الانطلاق الهجومية المحتملة هي القواعد الجوية والتي تتوزع بين قاعدة “العديد” بقطر وهي مركز القيادة باعتبارها النقطة التي تدار منها العمليات الجوية في كامل المنطقة فقد عُزِّزت بأنظمة باتريوت إضافية وطائرات “يوروفايتر تايفون” بريطانية.
وقاعدة ” موفق السلطي” بالأردن تمركزت بها مقاتلات F-22 Raptor (التي لا يراها الرادار)، بالإضافة إلى عشرات الطائرات من طراز F-15E Strike Eagle.
وصولا إلى قاعدة ” الأمير سلطان” بالسعودية تمركزت فيها طائرات أواكس (E-3 Sentry) التي تعمل كل “رادار طائر” لإدارة المعارك الجوية. بينما أنظمة الدفاع ” قاد” (THAAD) يُعتقد أنها انتشرت في إسرائيل وبعض القواعد في الخليج لاعتراض الصواريخ البالستية في الفضاء قبل دخولها الغلاف الجوي، وهي محمية بقوات برية أمريكية متخصصة.
والظاهر أن هذا التوزيع الجغرافي الدقيق و المقصود يهدف إلى حرمان الخصم من أي ميزة جغرافية، ويجعل كامل المنطقة تحت تصرف القوة الأمريكية. وبهذا لم يعد الحشد سببا في تحقيق الاستقرار طويل الأمد فقط وإنما أصبح أداة لحسم ملفات عالقة كالملف النووي قبل الالتفات كليا لمنافسة الصين. إذ يعمل كمفاوض صامت يُفهم إيران أن تكلفة الرفض الدبلوماسي للاتفاق النووي في جنيف بعد انقضاء مهلة 10 أيام الممنوحة من الإدارة الأمريكية ستكون مواجهة عسكرية لا يمكن تحمل تبعاتها.
وصرح رئيس تنفيذي لإحدى شركات استخبارات المخاطر لـ “بي بي سي” بأن الاستعدادات الأمريكية الحالية “أعمق وأكثر استدامة” حتى من تلك التي سبقت عملية “مطرقة المنتصف”.
وبهذا فإن أمريكا تدرس توجيه ضربة حاسمة لإيران لثلاث أسباب:
– منع الانتشار النووي،
– تحقيق الاستقرار الإقليمي من خلال الردع،
– والحفاظ على مصداقية قوة الإكراه الأمريكية والتي يُقصد بها القدرة على إجبار الخصم على تغيير سلوكه أو اتخاذ قرار معين تحت التهديد باستخدام القوة العسكرية، وهي “لب” السياسة الأمريكية الحالية في مفاوضات جنيف 2026.
كما أن الولايات المتحدة تستغل حالة الغليان الداخلي في إيران، فترسل بحشدها رسالة للنظام الإيراني مفادها أن أي تجاوز في استخدام العنف ضد المتظاهرين قد يكون ذريعة لتدخل عسكري مباشر تحت بند حماية المدنيين أو منع زعزعة الاستقرار الإقليمي.
إذاً فإن هذا التحشيد لا يعني بالضرورة نية الهجوم الشامل، بل تصفه واشنطن بأنه “استعراض قوة” لمنع توسع دائرة الصراع، ولتكون جاهزة للرد الفوري في حال تعرضت مصالحها للخطر.
وهذا ما يُفهم ضمنا من جون كيربي (المتحدث باسم مجلس الأمن القومي) لما قال: “نحن لا نسعى للصراع مع إيران، لكننا لن نتردد في العمل لحماية أنفسنا. على طهران أن تفهم أن هذا التحشيد ليس مجرد استعراض، بل هو جاهزية قتالية كاملة.”
إلا أن إيران ترى أن هذه الحشود استفزاز مباشر لها كما صرح مسعود بزشكيان (الرئيس الإيراني) بقوله: “إن لغة التهديد والتحشيد العسكري لن تجبر الشعب الإيراني على التراجع. نحن دعاة سلام، لكن إذا فُرضت علينا الحرب، سنرد بصدمة تجعل المعتدين يندمون على حساباتهم الخاطئة”.
في حين أن الموقف الخليجي يتسم بلغة التهدئة فقد جاء في البيان الصادر عن الأمانة العامة لدول مجلس التعاون: “ندعو كافة الأطراف إلى ضبط النفس وتغليب لغة الدبلوماسية. استقرار المنطقة وأمن الممرات المائية هو خط أحمر لا ينبغي المساس به لتجنيب شعوبنا ويلات الصراع.”.
كما تحذر مؤسسة RAND من أن هذا الحجم من التحشيد يخلق ما يسمى بـ “فخ التصعيد”: “عندما تكون القوات في حالة تأهب قصوى بهذا الحجم، فإن الهامش بين ‘المناورة’ و ‘بداية الحرب’ يصبح رفيعاً جداً. أي احتكاك بسيط في مياه الخليج أو اعتراض درّون قد يترجمه الطرف الآخر كبداية لغزو شامل، مما يؤدي لاندلاع حريق إقليمي لا يمكن السيطرة عليه.”
ومنه فالوضع يسير نحو مسارين، إما انفراج قسري تخضع فيه إيران مكرهة لشروط الجانب الأمريكي ليحقق هذا الحشد الهدف منه وهو صفقة تاريخية تعيد موازين القوى.
وإما إعصار يأكل الأخضر واليابس، ويجر أطراف دولية أخرى لساحة الصراع.
فهل نشهد “ولادة اتفاق” جديد تحت تهديد السلاح، أم أن هذا الضغط سيولد انفجارا يغير خارطة القوى في العالم بأسره بدل الانصياع؟




اترك تعليقاً