الحرب تغيّر موازين المجتمع في اليمن.. كيف أعادت الجبهات رسم حياة “المهمشين”؟

SLUMS MUMASHEEN AFP

في الأزقة الضيقة والأحياء العشوائية المنتشرة على أطراف المدن اليمنية، عاش أبناء فئة المهمشين – المعروفة محليًا أيضًا باسم “الأخدام” – لعقود طويلة في ظروف قاسية، حيث ارتبطت حياتهم بالفقر والتمييز الاجتماعي والأعمال منخفضة الدخل. لكن سنوات الحرب الممتدة منذ عام 2015 بدأت تُحدث تحولات غير مسبوقة في أوضاع هذه الفئة، بعدما أصبحت الجبهات العسكرية بالنسبة للكثيرين طريقًا للهروب من الفقر وتحقيق مكاسب اقتصادية لم تكن متاحة في السابق.

من ماسح أحذية إلى مالك منزل

يروي رضوان راوح، البالغ من العمر 28 عامًا، قصة تعكس حجم هذا التحول. فقد ورث مهنة تلميع الأحذية عن والده، وقضى أكثر من ثلاثة عشر عامًا يجلس في الأسواق حاملاً أدواته البسيطة، مكتفيًا بدخل لا يكاد يسد احتياجات أسرته.

ورغم تمكنه من الزواج وإنجاب ثلاثة أطفال، ظل يعيش مع عائلته في مأوى بدائي مصنوع من الأغطية البلاستيكية، يفتقر إلى الكهرباء والمياه والسقف الذي يحميهم من الأمطار.

ويقول راوح إن حلمه كان بسيطًا: منزل يوفر لأطفاله حياة أكثر كرامة، لكن دخله من العمل لم يكن يسمح بتحقيق ذلك.

الجبهات العسكرية بوابة لتحسين المعيشة

مع استمرار الحرب، لاحظ راوح أن كثيرًا من الشباب في محيطه تركوا أعمالهم المدنية والتحقوا بجبهات القتال، خاصة في المناطق الحدودية مع السعودية، حيث كانت الرواتب تُدفع بالريال السعودي أو الدولار، وهي عملات تفوق قيمتها بكثير العملة اليمنية المتدهورة.

وفي مطلع عام 2023، التحق راوح مع مجموعة من أبناء منطقته بإحدى الجبهات الحدودية، رغم أنه لم يكن يمتلك أي خبرة عسكرية.

وبعد عامين عاد إلى مدينته وقد تغيرت حياته بالكامل.

فقد استأجر منزلًا مناسبًا لعائلته، ثم اشترى قطعة أرض وبنى عليها منزلًا من طابقين، كما اشترى حافلتين صغيرتين يستخدم إحداهما في العمل بينما يؤجر الأخرى لتوفير دخل إضافي.

ويقول إن راتبه الشهري البالغ نحو 2500 ريال سعودي مكّنه من تحقيق ما عجز عنه طوال سنوات العمل في الأسواق.

ورغم ذلك، يؤكد أنه لا يريد لأطفاله أن يسلكوا الطريق نفسه، بل يصر على تعليمهم في مدارس خاصة حتى يتمكنوا من ممارسة مهن مدنية بعيدًا عن الحرب.

الحرب خيار اقتصادي لا قناعة قتالية

تعكس قصة راوح واقعًا يصفه كثير من اليمنيين، إذ لم يكن الدافع الرئيس للالتحاق بالقتال هو الانتماء السياسي أو العسكري، وإنما البحث عن مصدر دخل في ظل الانهيار الاقتصادي وغياب فرص العمل.

وقد ساهم انخفاض حدة المواجهات بعد الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 في جعل بعض الجبهات أقل خطورة، مع استمرار صرف الرواتب، ما شجع مزيدًا من الشباب على الالتحاق بها.

لكن هذا الخيار لم يكن متاحًا للجميع.

نهاية مأساوية في حرب بعيدة

حاول هاني، وهو أحد أبناء فئة المهمشين وكان يعمل في تنظيف الشوارع، الانضمام إلى إحدى الوحدات العسكرية داخل اليمن، لكنه لم ينجح.

ومع ضيق الحال، لجأ إلى وسطاء عرضوا عليه القتال في الحرب الروسية الأوكرانية مقابل رواتب مرتفعة.

غادر هاني اليمن على أمل جمع المال والعودة لافتتاح مشروع صغير وبناء منزل لأسرته.

غير أن عائلته فقدت الاتصال به بعد أسابيع، قبل أن تتلقى لاحقًا نبأ مقتله، لتنتهي رحلته التي بدأها بحثًا عن حياة أفضل بمأساة إنسانية.

وتقول زوجته أحلام إنها أصبحت تنصح كل امرأة بمنع زوجها أو ابنها أو شقيقها من الذهاب إلى أي جبهة قتال، مؤكدة أن فقدان المعيل لا يعوضه أي مقابل مادي.

الحرب تعيد تشكيل الطبقات الاجتماعية

لا تقتصر آثار الحرب على الاقتصاد، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها.

فبحسب متخصصين في علم الاجتماع، أدت سنوات الصراع إلى تغيير معايير المكانة الاجتماعية داخل اليمن.

فبعد أن كانت المكانة ترتبط بالنسب أو التعليم أو الوظيفة، أصبحت القوة المالية والنفوذ المرتبطان بالسلاح عاملين رئيسيين في تحديد المكانة الاجتماعية.

ويرى مراقبون أن كثيرًا من المقاتلين، بمن فيهم أفراد من فئة المهمشين، تمكنوا من امتلاك منازل وممتلكات وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، في حين يواجه موظفون حكوميون وأصحاب شهادات جامعية صعوبات معيشية دفعت بعضهم إلى ترك وظائفهم والبحث عن أعمال يومية بسيطة.

المهمشون… معاناة ممتدة

تشير تقديرات محلية إلى أن عدد أبناء فئة المهمشين يبلغ نحو 3.5 ملايين شخص، أي ما يقارب 10% من سكان اليمن، رغم عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة.

ويعيش معظمهم في تجمعات عشوائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية، بينما أدت الحرب إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد عمومًا.

ووفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، يحتاج نحو 22.3 مليون يمني إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية، وهو ما يعكس استمرار الأزمة الإنسانية التي تعد من بين الأكبر عالميًا.

مجتمع يتغير تحت ضغط الحرب

تكشف التحولات التي شهدتها فئة المهمشين أن الحرب لم تغيّر فقط خطوط المواجهة العسكرية، بل أعادت رسم الخريطة الاجتماعية والاقتصادية في اليمن.

ففي الوقت الذي تمكن فيه بعض أبناء الفئات الأكثر تهميشًا من تحسين أوضاعهم المعيشية عبر الانخراط في القتال، دفعت الحرب آلاف الأسر إلى خسارة معيلها أو إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر بدافع الحاجة الاقتصادية.

ويرى باحثون أن هذه التحولات قد تترك آثارًا بعيدة المدى على المجتمع اليمني، حيث أصبحت القوة والمال المرتبطان بالحرب عاملين مؤثرين في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، في وقت لا تزال فيه البلاد بحاجة إلى تسوية سياسية وتنمية اقتصادية تعيد الاعتبار للتعليم والعمل المدني بوصفهما الطريق الطبيعي لتحسين مستوى المعيشة، بدلًا من أن تصبح ساحات القتال الخيار الوحيد أمام الفئات الأكثر فقرًا.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *