في السنوات الأخيرة، ازداد استخدام مصطلح ”الحوكمة الإجتماعية” في الخطاب الصيني الرسمي لوصف سياسات تتعلق بإقليم الأويغور.
هذه اللغة التي تبدو إدارية ومحايدة تعيد تشكيل نظرة الناس للقمع، والإبادة العرقية، والدمج القسري، والتحكم الإجتماعي.
منذ عام 2016، حظيت محنة الإيغور باهتمام دولي واسع النطاق بسبب التقارير التي تتحدث عن الاعتقالات الجماعية ، والاختفاء القسري ، وأنظمة المراقبة المكثفة، والقيود المفروضة على الحياة الدينية والثقافية؛ بالإضافة إلى الوثائق الحكومية المسربة، وشهادات الناجين من المعسكرات، والعديد من التحقيقات الدولية.
لطالما وصفت السلطات الصينية هذه السياسات بأنها تدابير ضرورية لمكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأ الخطاب الرسمي المحيط بالمنطقة في التغير. فقد أصبحت مرافق الاحتجاز أقل ظهورا في التغطية الإعلامية الحكومية، وعادت الحملات السياحية التي تسلط الضوء على مناظر المنطقة الطبيعية وتراثها الثقافي إلى الظهور، كما أن التقارير الرسمية تصور المنطقة بشكل متزايد على أنها منطقة مسالمة ومزدهرة ومتناغمة.
وفي إطار هذا السرد المتطور، برز مفهوم واحد بشكل خاص: “الحوكمة الاجتماعية”.
“الحوكمة الاجتماعية”
في الأول من مارس، نشرت صحيفة “شينجيانغ ديلي” الحكومية مقالا بعنوان ” توحيد القلوب والعقول، والتقدم من خلال الحوكمة.
وصف التقرير مناقشات دارت بين مسؤولين محليين لمراجعة ممارسات الحوكمة، وتخطيط الأولويات الإدارية المستقبلية؛ وصوّر منطقة الأويغور كنموذج للحوكمة الفعّالة والاستقرار الاجتماعي والرضا العام.
تظهر عبارات مثل “قيادة الحزب” و”أنظمة الالتماس المغلقة” و”شبكات الخدمة التطوعية” و”الحوكمة الشعبية” بشكل متكرر في جميع أنحاء المقال، مما يرسم صورة لإدارة منظمة وفعالة.
ومع ذلك، ففي خضم هذه اللغة المحايدة ظاهرياً للحكم، تختفي أهم المسائل السياسية المتعلقة بالاستقلال الثقافي والديني والاجتماعي للأويغور.
“الحوكمة الاجتماعية” تحل محل الاهتمامات العرقية والسياسية
من المفاتيح الأساسية لتحليل الوثائق الرسمية الصينية، البحث عما يتجنب المسؤولون ذكره.
لا تُشير هذه الوثيقة تحديدا إلا نادرا إلى الحقوق العرقية، أو الدينية، أو استخدام اللغة، أو الاستمرارية الثقافية. كما أنها لا تُقرّ بالمخاوف التي أثارها المراقبون الدوليون مرارا وتكرارا.
إن الصراعات في منطقة الأويغور ليست مجرد مسألة حكم، بل تنبع أيضاً من التاريخ والتغير الديموغرافي وهياكل السلطة السياسية.
بحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء في الصين، بلغ عدد سكان منطقة الأويغور عام 1953 حوالي 4.87 مليون نسمة، منهم حوالي 3.64 مليون نسمة – أي ما يقارب 75% – من الأويغور، بينما لم تتجاوز نسبة الصينيين الهان 6%. لكن بحلول عام 2010، ارتفعت نسبة الصينيين الهان إلى حوالي 40% من السكان، في حين انخفضت نسبة الأويغور إلى حوالي 46%.
يربط العديد من الباحثين هذا التحول الديموغرافي بعقود من سياسات الهجرة واسعة النطاق التي شجعت الاستيطان من المناطق الداخلية للصين.
على الرغم من أن الصين تُطبّق رسمياً نظام “الحكم الذاتي العرقي الإقليمي ” ، إلا أن البنية السياسية تُظهر واقعاً مختلفا. فالمنصب الأقوى في المنطقة – سكرتير الحزب الشيوعي – يُعيّن من قِبل الحكومة المركزية، بينما يتمتع رئيس المنطقة، وهو عادةً من الإيغور، بسلطة فعلية أقل بكثير.
في ظل هذا الهيكل، غالبا ما يكون الاستقلال الذاتي بمثابة ترتيب رمزي أكثر منه حكما ذاتيا ذا معنى.
ونتيجة لذلك، تعرض الأويغور للتهميش بشكل متزايد في وطنهم في مجالات مثل التعليم والتوظيف واستخدام اللغة.
لغة الاستيعاب الناعمة
يختتم المقال الرسمي بالتأكيد على أهمية تنمية “شعور مشترك بالهوية الوطنية الصينية”. وهذا يعني أنه على الرغم من وجود اختلافات ثقافية، إلا أنه ينبغي إعطاء الأولوية للهوية الوطنية الصينية على جميع الهويات الأخرى.
يتم ترجمة هذا المبدأ إلى مجموعة من الممارسات السياسية الاستيعابية، والتي تعني في كثير من الأحيان أنه يمكن عرض الثقافات العرقية، ولكن ليس تنظيمها بشكل مستقل؛ ويمكن أن توجد اللغات العرقية، ولكن لا تهيمن على الحياة العامة؛ ويمكن ممارسة الدين، ولكن فقط ضمن حدود سياسية صارمة.
وقد تم توجيه بعض السياسات نحو هياكل الأسرة الأوغيهورية، بما في ذلك الحملات التي تشجع الزواج بين الأعراق المختلفة والإدارة المركزية للأطفال الذين تم احتجاز آبائهم.
يجادل النقاد بأن هذه السياسات تمثل محاولة عميقة لإعادة تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية للأويغور.
إن نبرة مقال “توحيد القلوب والعقول، والتقدم من خلال الحكم” معتدلة وعقلانية ومتفائلة، وبالتالي فهي مؤثرة.
لقد أعادت تسمية السيطرة إلى الحكم، والقمع إلى الخدمة، والاستيعاب إلى الاندماج. ويُقدَّم الإكراه الهيكلي على أنه إدارة عامة مسؤولة.
الحوكمة في عصر ما بعد العنف
كما يعكس نموذج الحكم الناشئ في منطقة الأويغور تحولاً أوسع في السياسات الاستبدادية المعاصرة.
لا يعتمد القمع دائماً على الإكراه الظاهر، حيث يمكن للأنظمة الإدارية وتقنيات البيانات والهندسة الاجتماعية ولغة السياسة أن تعيد تشكيل الواقع الاجتماعي تدريجياً.
بالنسبة للعديد من العائلات الأويغورية، لم تكن التجربة الأبرز في السنوات الأخيرة هي الصراع المفتوح، بل الاختفاء: ففي جميع أنحاء الشتات الأويغوري، فقد عدد لا يحصى من الناس الاتصال بأقاربهم في الوطن. وقد تم اعتقال الكثيرين، أو الحكم عليهم، أو اختفوا ببساطة من الحياة العامة.
إن نظام الحوكمة الاجتماعية، الذي يُقدم على أنه عقلاني وخيّر وناجح في الخطاب الرسمي الصيني، مصمم بدقة لحرمان الناس من القدرة على تنظيم أنفسهم والتعبير عن هويتهم والحفاظ على حياتهم الثقافية، وبالتالي تطبيع القمع في المجتمع بهدوء.
مترجم من:
The normalization of Uyghur repression in the name of ’social governance’ in China
موقع جلوبال ڤويسز




اترك تعليقاً