التراجع عن تنميط سيارات الموتى بالمغرب: إصلاح مؤسساتي أم مسايرة للشارع؟

56الت 1772005142

أثارت التوجيهات الأخيرة الصادرة عن وزارة الداخلية ووزارة الصحة، التي كانت تلزم سيارات نقل الأموات بالتخلي عن طابعها الوعظي القديم، جدلاً واسعاً حول هوية المرفق العام.

هذا التوجه الإداري، الذي كان يرمي ظاهرياً إلى توحيد المعايير البصرية، وضعنا أمام تساؤلات قانونية واجتماعية ودينية حارقة حول المسافة الفاصلة بين صرامة التنظيم وحرمة الهوية الثقافية.

لكن، ومع صدور قرار التراجع تحت ضغط الرفض المجتمعي، يبرز تساؤل أكثر عمقاً: هل نحن حقاً أمام “انتصار ناجز” للهوية المغربية، أم أن الأمر لا يتعدى كونه تكتيكاً لامتصاص الغضب في معارك ثانوية لا تشكل حرجاً استراتيجياً للسلطة؟

ففي الوقت الذي تبدي فيه الإدارة مرونة في هوية سيارات الموتى استجابة للشارع، نجدها تمضي بصرامة في ملفات كبرى ومصيرية —كالتطبيع أو الإصلاحات الهيكلية الجدلية— دون الالتفات لصدى الرفض الشعبي؛ وهو ما يوحي بأن الدولة تختار معاركها بدقة، فتمنح للمجتمع ترضيات بصرية في الفضاء العام، بينما تحتفظ لنفسها بالكلمة الفصل في القضايا السيادية التي لا تقبل المراجعة.

وقد تنزَّل هذا التوجه الإداري الجديد كحلقة ضمن رؤية تهدف إلى مأسسة المرافق العامة وتوحيد هويتها البصرية؛ فرأت الإدارة الوصية أن عربة نقل الموتى وسيلة عمومية يجب أن تخضع كغيرها لمعايير تقنية وبصرية صارمة، لا باعتبارها جزءاً من الطقس الجنائزي. واتخذت الجهات الوصية من مفهوم “حياد المرفق العمومي” متكأً لتبرير تجريد العربات من هويتها، وفرض اللون الأبيض الموشح بشريطين أحمرين كبديل بصري موحد.

وحمل هذا التوجه في طياته سعي الإدارة إلى إنهاء الفوضى البصرية ومنع تداخل الاختصاصات بين ما هو عمومي وما هو جمعوي أو خاص؛ بل وذهبت المسوغات الرسمية أبعد من ذلك عبر الترويج لمبدأ “الحياد الديني” كضرورة لضمان “التعايش وروح السلام” داخل الفضاء المشترك.

وبموجب هذا المنطق، سعت الإدارة إلى إظهار العربة بمظهر مؤسساتي جاف، يبتعد عن أي حمولة وعظية، بدعوى أن المرفق العمومي يجب أن يقف على مسافة واحدة من الجميع، بعيداً عن أي رموز قد تُفسر —حسب هذا المنطق الوافد— كإخلال بمبدأ التعددية.

وعلى الرغم من هذا السعي الحثيث لمأسسة الجفاء البصري تحت غطاء الحياد، إلا أن الوقائع أثبتت أن منطق الإدارة التقني لا يمكنه دائماً القفز فوق الوجدان المجتمعي؛ فقد كشفت هذه التدبيرات الإدارية عن تباعدٍ شاسع بين “برودة المساطر” و”حرارة الانتماء”. فالمجتمع المغربي الذي اعتاد توديع موتاه في موكبٍ يفيض بالوعظ ويذكر بالآخرة، وجد نفسه أمام محاولة لفرض عربات بيضاء صماء تُحاكي في جفائها شاحنات نقل البضائع، وهو ما اعتبره كثيرون خدشاً للحياء الديني للمغاربة، واعتداءً على طقوسهم الجنائزية التي لا تقبل الحياد في حضرة الموت.

وفي هذا السياق، لم يقف الرفض عند حدود الاستهجان الشعبي العفوي، بل تبلور في موقف حقوقي رصين؛ حيث دخلت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان على خط السجال، معلنةً رفضها الصريح لهذا التوجه عبر بيان رسمي، معتبرة فيه أن:

“الحياد الإداري لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتجريد المجال العام من رموزه الحضارية والثقافية المرتبطة بهوية الأغلبية الساحقة من المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة موجهة عملياً لأموات المسلمين، حيث تشكل العبارة توصيفاً لطبيعة الخدمة لا فرضاً لعقيدة على أحد”.

كما أكدت الهيئة على أن “حماية حقوق الأقليات الدينية مبدأ دستوري ثابت، غير أن حمايتها لا تعني إلغاء الرموز التعريفية المشروعة للأغلبية، بل تقتضي تمكين كل فئة من خدمات تراعي خصوصيتها الثقافية والدينية دون مساس بثوابت الأمة”.

وعليه، فإن هذا التدافع الذي حصل بين الرؤية الإدارية والرؤية المجتمعية والحقوقية وضعنا مباشرة أمام حقيقة الاصطدام مع النص الدستوري الذي حسم هوية الدولة قبل أي مسطرة تنظيمية، وبالتالي طُرحت إشكالية أعمق تتعلق بمدى التزام القرارات الإدارية بروح الدستور الذي يُقر بإسلامية الدولة في أسمى نصوصه. فالوثيقة الدستورية تقر في تصديرها، وبصريح العبارة، بأن “الإسلام دين الدولة”؛

ومن ثمَّ فإن محاولة إزاحة شعار “التوحيد” والآيات القرآنية عن سيارات الموتى بدت وكأنها “معركة بصرية” ضد روح الدستور قبل أن تكون مجرد تنظيم للمرفق العام. وهكذا، يظهر أن هذا الضغط الحقوقي، الذي ربط بين الهوية والدستور، شكل بلا شك أحد المحركات الأساسية التي دفعت الجهات الوصية لمراجعة حساباتها، وأثبت أن ‘الترضيات البصرية’ قد تكون مخرجاً آمناً للإدارة حين تصطدم بجدار الممانعة الحقوقية الصلب.

وبالتالي، فإن محاولة تمرير هذا القرار —حتى وإن تم التراجع عنه لاحقاً— قد نجحت في زرع شكوك عميقة لدى الرأي العام حول وجود رغبة مضمرة في خلق ‘قطيعة بصريّة’ بين المواطن ودينه في المجال العام. إن هذا التراجع الاضطراري للإدارة لم يمحُ التخوفات الجوهرية، بل رسخ الاعتقاد بأننا أمام نهجٍ يختبر العتبة النفسية للمغاربة، تمهيداً لفصل الفضاء العام عن حمولته الروحية في أكثر اللحظات قدسية ورهبة. إن الخطورة الكامنة هنا تجسد “منطق العدوى”؛ حيث يتوجس الكثيرون من أن تكون هذه الواقعة مجرد جس نبض لعملية قضم تدريجي للمشترك الروحي، تهدف في مداها البعيد إلى تعويد العين المغربية على مشهد بصري محايد تماماً، يقطع الصلة مع التاريخ والوجدان، ويحول الدولة من حامية للملة والدين إلى مجرد مدير تقني لمجال عام مجرد من الروح.

في نهاية المطاف،إن واقعة “سيارات الموتى” قد تجاوزت بكونها مجرد إجراء إداري عابر، لتصبح مرآة عكست طبيعة التفاعل بين الإدارة والوجدان الشعبي في المغرب. وإذا كان التراجع عن هذا القرار قد احتوى التوتر المجتمعي، فإنه في الوقت ذاته قد ترك خلفه أسئلة جوهرية: إلى أي حد يمكن للمساطر التقنية و”دفاتر التحملات” أن تستوعب خصوصيات الهوية دون أن تتحول إلى أداة لاستعدائها بدعوى الحياد؟

وهل يعكس هذا التراجع وعياً مؤسساتياً بضرورة ملاءمة قرارات المرفق العام مع روح الدستور، أم أنه مجرد تدبير ظرفي يثبت قدرة الدولة على اختيار معاركها بدقة وتحديد اللحظات المناسبة للانحناء أمام العاصفة؟

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا