شهد جزء من اليمين الأميركي خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في الطريقة التي ينظر بها إلى الإسلام والمسلمين، فبعدما كان الإسلام حاضرًا في الخطاب المحافظ، خصوصًا لدى المحافظين الجدد، باعتباره تهديدًا خارجيًا للحضارة الغربية، بدأ بعض المؤثرين المنتمين إلى اليمين الجديد يتعاملون معه بوصفه نموذجًا للانضباط والقوة والهوية والتمسك بالقيم التقليدية.
ولا يبدو هذا التحول، وفق قراءة مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية، نتاج مراجعة دينية أو فكرية شاملة بقدر ما يعكس أزمة داخل قطاع من اليمين الغربي نفسه؛ أزمة تتعلق بصورة الغرب عن ذاته، وشعور بعض رموزه بأن المجتمعات الغربية أصبحت أكثر فردانية، وأقل ارتباطًا بالدين والأسرة والسلطة والقيم التقليدية.
ومن هنا يظهر الإسلام في هذا الخطاب لا باعتباره منظومة دينية متكاملة، وإنما باعتباره صورة لحضارة يعتقد هؤلاء أنها لا تزال تمتلك ما فقده الغرب.
انقلاب في الصورة القديمة
لطالما احتل الإسلام موقعًا مركزيًا في خطاب اليمين الأميركي المحافظ باعتباره أحد مصادر التهديد للحضارة الغربية، خصوصًا بعد هجمات 11 سبتمبر، لكن التيار الجديد الذي نشأ بصورة كبيرة عبر المنصات الرقمية بدأ يعيد ترتيب هذه الصورة.
فبدلًا من النظر إلى الإسلام باعتباره دينًا معاديًا للغرب، أصبح بعض المؤثرين يرونه مثالًا على مجتمع ما زال يتمسك بالأسرة، والانضباط، والتراتبية الاجتماعية، والهوية الجماعية، والمرجعية الأخلاقية.
وهنا تكمن المفارقة: الخطاب الذي كان يرى في الإسلام خطرًا على الغرب بدأ يستخدم بعض الصور المرتبطة بالإسلام لمهاجمة الغرب نفسه.
فالمشكلة، في تصور هذا التيار، لم تعد فقط في «الآخر» الذي يأتي من الخارج، وإنما في الغرب الذي يعتقدون أنه فقد قدرته على إنتاج المعنى والقيم والانضباط من الداخل.

تاكر كارلسون.. من التحذير من الإسلام إلى الاعتراف بالخطأ
يبرز الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون بوصفه أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا التحول.
فكارلسون، الذي كان يستخدم في السابق خطابًا شديد الانتقاد للإسلام، عاد لاحقًا ليقر بأن نظرته السابقة كانت مبالغًا فيها، وقال إنه كان يعتقد أن المشكلة تكمن في الإسلام والمسلمين، قبل أن يصف تلك النظرة لاحقًا بأنها وصلت إلى حد «الهستيريا».
وفي عام 2025م، الموافق 1446-1447هـ، ظهر التحول بصورة أكثر وضوحًا عندما انتقد كارلسون مهاجمة المسلمين الأميركيين، وبدأ يتحدث بصورة أكثر إيجابية عن بعض جوانب المجتمعات الإسلامية.
ولم يتوقف الأمر عند مراجعة المواقف السابقة، إذ أبدى اهتمامًا متزايدًا بما يراه في الإسلام من وضوح أخلاقي وقدرة على وضع حدود للقيم والسلوك، في مواجهة ما يعتبره حالة من التفكك والانحلال داخل المجتمعات الغربية
لكن هذا التحول لا يعني أن كارلسون انتقل إلى موقع إسلامي بالمعنى الديني أو السياسي، وإنما يعكس إعادة توظيف بعض الصور المرتبطة بالإسلام في معركة أوسع يخوضها ضد ما يعتبره أزمة حضارية غربية.

أندرو تيت.. الإسلام بوصفه هوية رقمية
يقدم أندرو تيت نموذجًا مختلفًا، وأكثر وضوحًا في استخدام الإسلام داخل صورته العامة.
فبعد اعتناقه الإسلام، لم يصبح الدين بالنسبة إليه مجرد قضية عقائدية، بل تحول أيضًا إلى جزء من هويته التي يقدمها لجمهور واسع من الشباب عبر الإنترنت.
ويركز تيت بصورة خاصة على عناصر يربطها بالإسلام، مثل الانضباط، والصرامة، والالتزام، والأدوار التقليدية بين الرجال والنساء، وهي أفكار تتقاطع أصلًا مع الصورة التي يحاول بناءها عن «الرجولة» والقوة الشخصية.
وهنا تظهر إشكالية أساسية في قراءة هذه الظاهرة؛ إذ إن الإسلام الذي يظهر في خطاب بعض هؤلاء المؤثرين ليس بالضرورة الإسلام بوصفه عقيدة وشريعة ومنظومة أخلاقية متكاملة، وإنما إسلام انتقائي يجري استخراج بعض رموزه بما يخدم خطابًا سياسيًا وثقافيًا موجودًا مسبقًا.
فالمطلوب، في كثير من الأحيان، ليس إعادة بناء العلاقة مع الدين، وإنما العثور على مرجعية تمنح خطابهم عن القوة والهوية والانضباط شرعية رمزية.

«الإسلام بلا إسلام».. الفكرة الأكثر إثارة للجدل
هذه النقطة هي جوهر قراءة الكاتب ترافيس ألكسندر في «نيو ستيتسمان»، فهو يرى أن بعض رموز اليمين الجديد يريدون الاستفادة من صورة الإسلام دون الالتزام بالضرورة بجميع مقتضياته الدينية والأخلاقية.
وبمعنى آخر، يمكن أن يعجب هؤلاء بما يرونه في المجتمعات الإسلامية من الانضباط والأسرة والهوية والتراتبية، لكن من دون أن يعني ذلك تبني الإسلام بوصفه دينًا له منظومة متكاملة من العبادات والتشريعات والقيم والمسؤوليات.
ومن هنا يطرح الكاتب مفهوم «الإسلام من دون الإسلام»؛ أي التعامل مع الإسلام باعتباره رمزًا ثقافيًا وحضاريًا يمكن استخدامه في نقد الغرب، أكثر من كونه عقيدة ينبغي اعتناقها والالتزام بها.
وهذا التفريق مهم لفهم الظاهرة، لأن ارتفاع الإعجاب ببعض مظاهر الحياة الإسلامية لا يعني بالضرورة حدوث تحول ديني واسع داخل اليمين الأميركي.
لماذا أصبح الإسلام جذابًا لهذا التيار؟
يمكن اختزال الدافع الرئيسي في سؤال واحد: ما الذي يعتقد هؤلاء أن الغرب فقده؟
الإجابة التي يقدمها الخطاب الجديد تتمحور حول مجموعة من المفاهيم: الأسرة، والانضباط، والهوية، والسلطة، والدين، والحدود الأخلاقية، والشعور بالانتماء إلى جماعة أكبر من الفرد.
ويرى بعض رموز هذا الاتجاه أن الليبرالية الحديثة دفعت بالمجتمع الغربي نحو الفردانية المفرطة، وأن التعددية الثقافية وتوسيع مساحة الخيارات الشخصية أضعفا المرجعيات التقليدية.
وفي هذه اللحظة يظهر الإسلام بوصفه نقيضًا متخيّلًا لهذه الصورة. فهو، في تصورهم، دين لا يزال يمتلك قواعد واضحة، ومؤسسة أسرية قوية، ونظامًا أخلاقيًا محددًا، وشعورًا قويًا بالانتماء الجماعي.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الصورة التي يعتمدون عليها دقيقة أو شاملة، بل تعكس الحاجة النفسية والسياسية إلى نموذج مضاد للغرب الذي ينتقدونه.
أزمة الغرب أهم من التحول الإسلامي
يذهب تحليل «نيو ستيتسمان» إلى أن فهم هذه الظاهرة يبدأ من الغرب نفسه وليس من الإسلام، فإذا كان الإسلام قد انتقل في خطاب بعض هؤلاء من موقع «التهديد» إلى موقع «النموذج»، فإن التغير الأساسي قد لا يكون في الإسلام، وإنما في نظرة هؤلاء إلى مجتمعهم.
فهم لا يبحثون بالضرورة عن دين جديد، وإنما عن إجابة لأزمة يرون أنها تضرب المجتمعات الغربية: تراجع الثقة بالمؤسسات، وضعف الروابط الاجتماعية، تصاعد الفردانية، وتراجع حضور الدين، والصراع حول أدوار الجنسين والأسرة والهوية.
ومن هذه الزاوية يصبح الإسلام بالنسبة إليهم مرآة يرون فيها ما يعتقدون أن الغرب لم يعد قادرًا على إنتاجه.
ولهذا فإن الإعجاب بالإسلام هنا لا ينفصل عن رفض جوانب أساسية من الثقافة الغربية المعاصرة.
سنيكو.. الإسلام يدخل عالم المؤثرين الشباب
لا يقتصر الاتجاه على أسماء كبيرة مثل كارلسون وتيت، فالمؤثر الأميركي سنيكو يمثل نموذجًا أكثر ارتباطًا بثقافة الإنترنت والشباب.
وبحسب المقال، ارتبط اهتمامه بالإسلام بعالم المؤثرين وبصورة خاصة بتأثير أندرو تيت، وأصبح يظهر محتوى مرتبطًا بالمساجد وتلاوة القرآن إلى جانب محتوى عن الرياضة والانضباط وتطوير الذات.
وهنا يتداخل الدين مع ثقافة المؤثرين؛ إذ يتحول الإسلام أحيانًا من منظومة معرفية وروحية إلى جزء من أسلوب حياة وصورة رقمية وهوية شخصية.
وهذا يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا؛ لأن الحدود بين الاعتقاد الحقيقي، والتأثر الثقافي، وبناء الصورة الإعلامية، والتوظيف السياسي للدين تصبح شديدة التداخل.

برونز إيج بيرفرت.. الإسلام كنقيض لـ«النعومة الغربية»
يمثل «برونز إيج بيرفرت» مستوى آخر من الظاهرة، فهو لا يعتنق الإسلام، لكنه يستخدم بعض المجتمعات الإسلامية في رؤيته النقدية للغرب باعتبارها نماذج لحضارات لم تستسلم، بحسب تصوره، للفردانية والضعف وما يصفه بـ«النعومة».
وهذا يكشف أن التأثير لا يحتاج بالضرورة إلى اعتناق الإسلام، فقد يصبح الإسلام بالنسبة إلى بعض أفراد هذا التيار رمزًا ثقافيًا لحضارة قوية ومتماسكة حتى عندما لا تكون هناك رغبة في اعتناق الإسلام نفسه.
وبذلك تتسع الظاهرة من «الإعجاب بدين» إلى استخدام صورة حضارية كاملة في معركة أيديولوجية داخل الغرب.
من المحافظين الجدد إلى اليمين الرقمي
يكشف هذا التحول أيضًا عن تغير عميق في بنية اليمين الأميركي، فالمحافظون الجدد الذين هيمنوا على جزء كبير من الخطاب المحافظ خلال العقود الماضية نظروا إلى الإسلام من زاوية مختلفة تمامًا، وربطوه بصورة التهديد الخارجي والحرب على الإرهاب والصراع الحضاري.
أما اليمين الرقمي الجديد، فينطلق من سؤال آخر: لماذا أصبح الغرب ضعيفًا؟
ومن ثم يمكن أن يصل إلى نتيجة تبدو متناقضة تمامًا مع الخطاب القديم: ربما يمتلك الإسلام بعض العناصر التي يحتاج إليها الغرب لاستعادة قوته.
وهكذا انتقل الإسلام، في جزء من الخطاب اليميني الجديد، من كونه «خصمًا حضاريًا» إلى كونه مصدرًا رمزيًا لإدانة الحضارة الغربية نفسها.
لكن أي إسلام يتحدثون عنه؟
تكمن المشكلة في أن الإسلام الذي يقدمه هؤلاء المؤثرون غالبًا هو صورة منتقاة، فحين يتم التركيز على الانضباط والسلطة والأسرة والأدوار التقليدية، بينما يجري تجاهل الجوانب الروحية والأخلاقية والعبادية والإنسانية والتشريعية الأخرى، فإن النتيجة تكون صورة جزئية لا تعكس الإسلام بكل أبعاده.
وهذا ما يفسر وصف الظاهرة بأنها «إسلام بلا إسلام»: الاحتفاظ بالرمز والتخلي عن المنظومة.
وفي المقابل، فإن اهتمام بعض الشخصيات الغربية بالإسلام لا ينبغي اختزاله بالكامل في كونه مجرد حيلة سياسية أو إعلامية؛ فقد يكون لدى بعض الأفراد تحول ديني حقيقي، لكن الظاهرة التي يناقشها المقال أوسع من حالات الاعتناق الفردية، لأنها مرتبطة بصعود تيار سياسي وثقافي يبحث عن بديل للهوية الغربية السائدة.
مفارقة تاريخية
المفارقة الكبرى أن الإسلام الذي كان يُستخدم لعقود في الخطاب اليميني الأميركي بوصفه دليلًا على «الخطر القادم من الخارج» أصبح الآن يُستدعى من بعض رموز اليمين الجديد بوصفه دليلًا على إمكانية مقاومة الانهيار من الداخل.
لم يتغير الإسلام في هذه المعادلة بقدر ما تغيرت الأسئلة التي يطرحها اليمين على نفسه.
فحين كان السؤال: «كيف نحمي الغرب من الإسلام؟»، ظهر الإسلام بوصفه عدوًا، وحين أصبح السؤال: «كيف ننقذ الغرب من أزمته الداخلية؟»، ظهر الإسلام عند بعضهم بوصفه نموذجًا.
وبذلك فإن التحول في الخطاب يكشف أزمة هوية غربية أكثر مما يكشف تحولًا جماعيًا نحو الإسلام.
اليمين الجديد يبحث عن معنى
في النهاية، لا تبدو المسألة مجرد موجة إعجاب عابرة بالإسلام، ولا يمكن في الوقت نفسه وصفها بأنها تحول جماعي لليمين الأميركي إلى الإسلام.
إنها ظاهرة أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها أزمة الهوية مع صعود المؤثرين الرقميين، والتراجع عن بعض أفكار المحافظين الجدد، والقلق من الفردانية، والحنين إلى منظومة قيم أكثر صرامة.
الإسلام، في هذه الحالة، يتحول إلى شاشة عرض لأزمة الغرب مع نفسه.
فبعض رموز اليمين الجديد لا يرون في الإسلام دينًا يريدون بالضرورة اعتناقه، وإنما حضارة يتخيلون أنها لا تزال تمتلك القوة والانضباط والهوية والغاية التي يعتقدون أن الغرب فقدها.
وهنا تكمن المفارقة الأهم: التيار الذي كان يرى الإسلام يومًا تهديدًا للحضارة الغربية بدأ، تحت ضغط أزمته الداخلية، ينظر إليه بوصفه واحدًا من النماذج التي يمكن أن يتعلم منها الغرب كيف يستعيد تماسكه.
لكن بين الإسلام بوصفه دينًا متكاملًا، والإسلام بوصفه صورة مثالية يتخيلها اليمين الجديد، مسافة واسعة؛ وهي المسافة التي تجعل هذه الظاهرة جديرة بالبحث، لا باعتبارها «أسلمة لليمين الأميركي»، وإنما باعتبارها انعكاسًا لأزمة عميقة في تعريف بعض الغربيين لأنفسهم ومستقبل مجتمعاتهم.
المصدر: «نيو ستيتسمان» البريطانية






اترك تعليقاً