“الإسلاموفوبيا”.. من خطاب هامشي إلى لغة مقبولة داخل الإعلام البريطاني

1732008479673c5a1f8053f

لم تعد المعركة حول الإسلاموفوبيا في بريطانيا تدور فقط في الشوارع أو على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر العبارات العنصرية والحملات المعادية للمهاجرين والمسلمين، فثمة سؤال أكثر تعقيدًا بدأ يفرض نفسه داخل الوسط الإعلامي والسياسي البريطاني: ماذا يحدث عندما تنتقل الأفكار نفسها إلى مؤسسات إعلامية عريقة، وتُقدَّم عبر مقالات وتحليلات وتُناقش في الصالونات السياسية، ثم تحظى بحضور شخصيات نافذة من مختلف ألوان الطيف السياسي؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة واسعة تناولت إنتاج مجلة «سبيكتاتور» البريطانية بشأن الإسلام والمسلمين، وكشفت عن نمط متكرر من التغطية التي تصفها الدراسة بالمنحازة.

وتكتسب النتائج أهمية خاصة لأن القضية لا تتعلق بمقال واحد أو كاتب بعينه، وإنما بآلاف المواد المنشورة على مدى سنوات، وبالمكانة التي تتمتع بها المجلة داخل المؤسسة السياسية والإعلامية البريطانية.

وبحسب ما عرضته الكاتبة البريطانية نسرين مالك في صحيفة «الغارديان»، فقد راجع مركز لمراقبة الإعلام 3733 مادة نشرتها «سبيكتاتور» حول الإسلام والمسلمين خلال ثمانية أعوام، وخلص إلى أن أكثر من نصف المواد ذات الصلة اتسمت بالانحياز.

لكن الرقم، على أهميته، لا يروي القصة كاملة.. الأهم هو النمط الذي ظهر خلفه.

عندما يصبح المسلم «قضية»

تكشف القراءة التي عرضتها مالك أن المسلمين لم يظهروا في جزء من هذه التغطية باعتبارهم مكونًا طبيعيًا من المجتمع البريطاني، وإنما جرى وضعهم بصورة متكررة داخل إطار يرتبط بالخطر أو العزلة أو صعوبة الاندماج.

وتكررت في المواد التي رصدتها الدراسة موضوعات تشكك في مفهوم الإسلاموفوبيا، أو تقلل من شكاوى المسلمين بشأن العنصرية والتمييز، بينما ظهرت موضوعات أخرى تربط تزايد أعداد المسلمين بمخاوف ديموغرافية وثقافية.

وفي بعض الحالات، اتخذ الجدل منحى أكثر مباشرة، حين جرى تقديم الإسلام باعتباره دينا يصعب التوفيق بينه وبين طبيعة الدولة العلمانية الحديثة، أو حين أصبح بناء المساجد موضوعًا يستدعي التساؤل حول النفوذ والهوية والأمن.

هنا يتغير معنى التغطية الإعلامية، فبدل أن يكون السؤال: كيف يعيش المسلمون في بريطانيا؟ يصبح السؤال: ماذا يعني وجودهم لبريطانيا؟

والفرق بين السؤالين ليس لغويًا فقط، بل سياسي أيضًا.. لأن الأول يفترض أن المسلمين جزء من المجتمع، بينما يضع الثاني وجودهم ذاته موضع اختبار.

مفارقة صنعتها التغطية

واحدة من أكثر النقاط إثارة في الدراسة تتمثل في الصورة المتناقضة التي تتشكل للمسلمين، ففي خطاب ما، يظهر المسلم باعتباره جماعة منعزلة تعيش داخل مجتمعات مغلقة ولا ترغب في الاندماج.

وفي خطاب آخر، يظهر باعتباره قوة منظمة تتوسع داخل المجتمع البريطاني وتسعى إلى فرض نفوذها.

قد تبدو الصورتان متعارضتين، لكنهما تقودان إلى النتيجة نفسها: المسلم ليس جزءًا طبيعيًا من «نحن»، بل يمثل «آخر» يجب مراقبته أو مناقشته أو الخوف من تأثيره.

ومن هنا، تصبح بعض القضايا اليومية المرتبطة بالمسلمين محملة بمعانٍ سياسية أكبر من حجمها الحقيقي؛ فالصلاة، والمساجد، والحجاب، والهجرة، وحتى النمو السكاني، يمكن أن تتحول في هذا النوع من الخطاب إلى مؤشرات على معركة أوسع حول مستقبل بريطانيا.

لماذا يشكل المسلم هدفًا مناسبًا لليمين؟

ترى نسرين مالك أن الإسلام أصبح في الخطاب اليميني البريطاني مساحة يمكن من خلالها جمع مجموعة واسعة من المخاوف السياسية في حزمة واحدة.

فالهجرة يمكن ربطها بالإسلام، والهوية الوطنية يمكن ربطها بالمساجد، والقلق من التغير الديموغرافي يمكن ربطه بزيادة عدد المسلمين، والخلاف حول التعددية الثقافية يمكن تحويله إلى نقاش حول «مدى توافق الإسلام مع بريطانيا».

وهكذا يصبح الحديث عن المسلمين وسيلة للحديث عن قضايا أخرى بصورة غير مباشرة.

وهذه النقطة مهمة، لأن الخطاب المعادي للمسلمين لا يحتاج بالضرورة إلى استخدام لغة عنصرية صريحة حتى يؤدي وظيفة سياسية عنصرية. يكفي أن يعاد تعريف المشكلة على أنها مشكلة «دين» أو «اندماج» أو «ثقافة».

عندها يصبح بالإمكان تمرير أفكار أكثر تشددًا تحت غطاء يبدو أكثر قبولًا في المجال العام.

من إدانة إينوك باول إلى إعادة اكتشافه

لا تقف القضية عند مضمون المقالات، بل تمتد إلى التحول التاريخي الذي شهدته بعض أجزاء اليمين البريطاني.

ويشير بيتر أوبورن، الصحفي الذي شغل سابقًا منصب المحرر السياسي في «سبيكتاتور»، إلى مفارقة لافتة في تاريخ المجلة، فالمؤسسة التي سبق أن أدانت خطاب السياسي البريطاني إينوك باول المناهض للهجرة، أصبحت لاحقًا أكثر استعدادًا لتقديمه بوصفه شخصية ذات تأثير مهم في الفكر المحافظ.

ولا تتوقف هذه العملية عند إعادة تقييم شخصية سياسية تاريخية، إذ أتاحت المجلة كذلك مساحة لأصوات من اليمين المتطرف، بينها كتابات تناولت الناشط تومي روبنسون بصورة إيجابية، رغم ارتباطه بخطاب وحملات معادية للمسلمين.

وبمرور الوقت، تصبح المشكلة أكبر من مجرد تغير في الآراء التحريرية، إنها إعادة رسم للحدود التي تفصل بين الخطاب المحافظ التقليدي والخطاب المتطرف.

كيف يدخل الخطاب المتطرف من الباب الرئيسي؟

في الماضي، كان من السهل نسبيًا التمييز بين مؤسسة إعلامية تقليدية وبين منصة هامشية تنشر خطابًا متطرفًا، أما عندما تبدأ اللغة نفسها في الظهور داخل مؤسسات عريقة، فإن الحدود تصبح أقل وضوحًا.

قد تتغير الكلمات، وقد تختفي بعض التعبيرات الأكثر فجاجة، لكن الفكرة الأساسية يمكن أن تبقى كما هي، وهنا تكمن خطورة ما تسميه مالك بالتطبيع، فالخطاب لا يحتاج إلى أن يقنع الجميع حتى ينجح؛ يكفي أن يصبح مألوفًا.

وما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره تجاوزًا يمكن أن يتحول إلى «رأي مثير للجدل»، ثم إلى «وجهة نظر محافظة»، ثم إلى موقف سياسي يمكن طرحه على شاشة التلفزيون أو في مؤتمر أو مناسبة اجتماعية دون أن يثير القدر نفسه من الاعتراض.

«سبيكتاتور» ليست مجرد مجلة

تكتسب المسألة أهمية إضافية بسبب موقع «سبيكتاتور» داخل البيئة السياسية البريطانية، فالمجلة ليست منصة مجهولة التأثير، بل مؤسسة لها تاريخ طويل وعلاقات وثيقة مع دوائر الإعلام والسياسة.

وتشير مالك إلى أن حفلاتها ومناسباتها الاجتماعية تستقطب سياسيين وصحفيين وشخصيات عامة من حزبي العمال والمحافظين، إلى جانب شخصيات بارزة من اليمين البريطاني، من بينها نايجل فاراج.

وهنا تظهر إحدى أكثر حلقات القضية حساسية، فحتى لو اختلف الحاضرون سياسيًا مع بعض ما تنشره المجلة، فإن وجودهم المنتظم داخل مساحتها الاجتماعية والسياسية يمنحها موقعًا مختلفًا عن المنصات الهامشية.

فالشرعية لا تأتي فقط من عدد القراء، وإنما أيضًا من الأشخاص الذين يقبلون الجلوس حول الطاولة نفسها.

من صفحات المجلة إلى المجتمع

يتزامن هذا الجدل مع بيئة بريطانية تشهد تصاعدًا في الاستقطاب حول الهجرة والهوية والتعددية الثقافية، إلى جانب احتجاجات ذات طابع عنصري واعتداءات على مساجد وارتفاع في جرائم الكراهية ضد المسلمين.

وفي مثل هذه البيئة، لا تبقى اللغة الإعلامية محصورة في صفحات الصحف والمجلات، فالمادة المنشورة يمكن اقتطاعها، وإعادة نشرها، وتحويلها إلى منشور على منصة اجتماعية، ثم استخدامها من قبل ناشط سياسي أو جماعة احتجاجية، لتعود بعد ذلك إلى الإعلام بوصفها «رأيًا منتشرًا» في المجتمع.

وهكذا تنشأ دائرة مغلقة:

الإعلام يطرح السردية، والسياسة تعيد تداولها، ومنصات التواصل تضخمها، ثم يعود انتشارها إلى الإعلام بوصفه دليلًا على وجودها داخل المجتمع.

وفي هذه الحلقة قد تختفي الحدود بين من يصنع الخطاب ومن يروّجه ومن يستفيد منه.

المشكلة ليست فقط في الإسلاموفوبيا.. بل في تراجع الصحافة

توجه مالك انتقادًا آخر لا يقل أهمية عن اتهامها للمجلة بتطبيع الخطاب المعادي للمسلمين، فهي ترى أن عددًا من المواد التي تناولها التقرير يعاني أيضًا من ضعف مهني وفكري، وأن بعض الكتابات أقرب إلى أسلوب الصحافة الشعبية والمحتوى الشعبوي منها إلى التحليل السياسي الذي يفترض أن تقدمه مجلة ذات تاريخ عريق.

87
الخطاب المعادي للمسلمين

وهنا يظهر تحول آخر داخل الإعلام اليميني، فبدلًا من بناء حجة سياسية متماسكة، يصبح الغضب نفسه منتجًا إعلاميًا، والخوف يصبح أداة لجذب الجمهور، والعدو يصبح عنصرًا ضروريًا لاستمرار القصة.

في هذه الحالة، لا تحتاج المؤسسة إلى تقديم حل لمشكلة معقدة.. يكفي أن تقدم شخصًا أو جماعة يمكن تحميلها مسؤولية المشكلة.

لماذا اختفى الاقتصاد خلف «معركة الهوية»؟

تذهب مالك إلى أبعد من ذلك حين ترى أن التركيز المفرط على المسلمين قد يضر بالمشروع المحافظ نفسه، فالحركات المحافظة تواجه أسئلة صعبة تتعلق بالاقتصاد، وتراجع الخدمات العامة، والإنتاجية، والأجور، ومستوى المعيشة، ودور الدولة.

لكن هذه القضايا تحتاج إلى إجابات معقدة، أما الحديث عن الهوية والخوف من الآخر فهو أكثر سهولة في الاستهلاك السياسي.

ولهذا، يمكن أن تتحول ممارسة المسلمين لشعائرهم في الأماكن العامة إلى مادة سياسية مثيرة، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بسبب تراجع الخدمات أو ضعف النمو الاقتصادي إلى الخلفية.

ويصبح النقاش حول «من نحن؟» أكثر حضورًا من النقاش حول «كيف نحكم؟».

حين تصبح الأقلية شماعة لأزمة الأغلبية

هذه النقطة تقود إلى نتيجة أوسع، فالمجتمع الذي يعاني من مشكلات اقتصادية أو سياسية لا يحتاج بالضرورة إلى عدو حقيقي كي يشعر بالغضب؛ أحيانًا يكفي أن يجد خطابًا يوجه هذا الغضب نحو فئة محددة.

وهنا يمكن أن يؤدي المسلم دور «الشماعة»، فبدلًا من مساءلة السياسات التي أنتجت أزمة الإسكان، يمكن الحديث عن الهجرة، وبدلًا من مناقشة تراجع الخدمات، يمكن الانتقال إلى جدل حول التعددية الثقافيةـ وبدلًا من تفسير التحولات الاجتماعية المعقدة، يمكن اختزالها في سردية تقول إن «البلد يتغير بسبب المسلمين».

إنها إجابة سهلة على أسئلة صعبة، لكن سهولتها لا تجعلها صحيحة.

الاختبار الحقيقي ليس للمسلمين وحدهم

تكشف القضية في جوهرها عن اختبار أوسع للديمقراطية البريطانية نفسها، فحرية التعبير تتيح للمؤسسات والأفراد طرح أكثر الآراء إثارة للجدل، لكن وجود الحق في التعبير لا يعني أن كل خطاب محصن من النقد أو أن المؤسسات الإعلامية معفاة من المسؤولية المهنية.

وفي المقابل، فإن مواجهة الإسلاموفوبيا لا تعني منع النقاش حول الإسلام أو الهجرة أو الاندماج.

المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من مساءلة السياسات والأفكار إلى توصيف جماعة بشرية بأكملها باعتبارها خطرًا، ثم يُعاد إنتاج هذا التوصيف بصورة متكررة حتى يصبح جزءًا من اللغة اليومية.

من الهامش إلى المركز

إن قصة «سبيكتاتور» ليست مجرد مثال على خلاف حول تغطية المسلمين في الإعلام البريطاني، بل تكشف مسارًا أوسع يمكن تلخيصه في ثلاث مراحل.

في المرحلة الأولى، تظهر الفكرة في الأطراف، حيث لا تجد سوى جمهور محدود، ثم تنتقل إلى منصات سياسية وإعلامية أكثر تأثيرًا، فتُعاد صياغتها بلغة أكثر قبولًا.

وأخيرًا، تصل إلى قلب المؤسسة، حيث يلتقي الصحفي بالسياسي ورجل الأعمال والناشط، ويصبح الخطاب جزءًا من الحديث العام.

عند هذه النقطة، لا يعود التطرف بحاجة إلى أن يعلن عن نفسه بوصفه تطرفًا، يكفي أن يصبح مألوفًا.

وهذا ربما هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في القضية التي أعادتها دراسة تغطية «سبيكتاتور» إلى الواجهة: أن أخطر تحول لا يحدث عندما يزداد صوت المتطرفين ارتفاعًا، بل عندما يصبح صوتهم أقل غرابة على مسامع المؤسسات التي كان يفترض أن تضع حدودًا واضحة بينهم وبين الخطاب السياسي المقبول.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *