لم تعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة تقتصر على إحراق السيارات والمنازل أو مهاجمة القرى الفلسطينية، بل باتت الجدران والمدارس والمساجد نفسها ساحات لكتابة شعارات عنصرية وتهديدية، تحمل رسائل واضحة تدفع باتجاه تخويف الفلسطينيين وترسيخ واقع الإقصاء والتهجير.
في قرية جالود، الواقعة جنوب نابلس ويقطنها نحو ألف فلسطيني، تظهر على واجهة مدرسة عبارات عبرية مثل «انتقام»، و«احترقوا في الجحيم»، و«اخرجوا من القرية». وبحسب سكان ومسؤولين محليين، تتكرر هذه الكتابات بالتزامن مع اعتداءات عنيفة ينفذها مستوطنون ضد السكان وممتلكاتهم.
ومنذ بداية العام الماضي، تعرضت جالود لخمس هجمات كبيرة، كان أحدثها في 4 أغسطس/آب 2026، حين أحرق مستوطنون مركبات ورشوا شعارات عنصرية على مبنى سكني.
المدرسة.. هدف للترهيب

يقول سكان القرية إن استهداف المدارس بالكتابات العدائية ليس أمرًا عشوائيًا، إذ تستهدف الرسائل الأطفال بشكل مباشر، بهدف خلق الخوف لديهم من الذهاب إلى مدارسهم.
أما العبارات التي تطالب الفلسطينيين بمغادرة القرية، فينظر إليها السكان باعتبارها رسالة تتجاوز التهديد اللحظي إلى الإيحاء بأن القتل والتهجير قد يكونان قادمين.
ويقول رئيس مجلس القرية، رائد الحاج محمد، إن هذه الشعارات «عنصرية وإقصائية»، ويربطها بأعضاء جماعة «شبيبة التلال»، وهي شبكة لامركزية تضم في معظمها شبانًا يهودًا، وترتبط بنشاطات استيطانية عنيفة في الضفة الغربية.
وتقوم استراتيجية الجماعة على إقامة بؤر استيطانية على قمم التلال خارج المستوطنات القائمة، ثم محاولة فرض واقع جديد على الأرض يمهد لاحقًا لإضفاء الشرعية عليها.
وبحسب رواية سكان جالود، فإن بعض الشعارات تحمل أسماء مستوطنين قتلوا في مواجهات سابقة، في إشارة إلى ما يقدمه المعتدون باعتباره «انتقامًا» لمقتلهم.
من «الانتقام» إلى التهجير

يقول سكان القرية إن الاعتداءات لا تنفصل عن البيئة الأوسع للعنف الاستيطاني في الضفة الغربية.
فحين تقع أحداث دامية في غزة، يجد الفلسطينيون في بعض قرى الضفة أنفسهم، وفق شهادات محلية، هدفًا لعمليات انتقام ينفذها مستوطنون، رغم عدم وجود علاقة مباشرة بين سكان تلك القرى والأحداث التي يُقال إنها جاءت ردًا عليها.
وهكذا يتحول مفهوم «الانتقام» إلى أداة لمعاقبة مجتمع بأكمله.
ويشير الباحث في الشأن الإسرائيلي عزام أبو العدس إلى أن اختيار الشعارات يعكس، في رأيه، أفكارًا أيديولوجية أعمق، مستشهدًا بشعارات مثل «الموت للعرب»، التي يصفها بأنها دعوة صريحة إلى الإبادة، ضمن تصور استيطاني يسعى إلى منطقة خالية من العرب.
ويرى الباحث أن الحرب على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 ساهمت في تعزيز تيارات داخل المجتمع الإسرائيلي ترى أن التعامل مع القضية الفلسطينية لا يكون إلا عبر طرد الفلسطينيين أو القضاء على وجودهم، بحسب تحليله.
استهداف مقومات البقاء
ولا يقتصر العنف على الأشخاص.
فحرق المنازل والمحاصيل والمساجد، وفق الباحث وليد حباس، يستهدف عناصر البقاء الفلسطيني وعلاقة السكان بأرضهم، وليس مجرد معاقبة أفراد بعينهم.
وتكتسب الكتابات العبرية على الجدران أهمية خاصة في هذا السياق. فبعض منفذيها يعرفون أن الفلسطينيين قد لا يستطيعون قراءة العبرية، ما يعني أن الرسالة ليست موجهة إليهم وحدهم.
بل يمكن أن تكون، بحسب حباس، بمثابة «علامة ملكية» موجهة إلى المستوطنين الآخرين وإلى الدولة والمجتمع الإسرائيليين، لتعلن أن الأرض باتت، رمزيًا، تحت سيطرة المعتدين.
وبهذا المعنى، تتحول جدران البيوت الفلسطينية إلى مساحة لإعلان السيطرة، بينما يصبح إحراق الممتلكات والمساجد وسيلة لتفكيك ارتباط الفلسطينيين بالمكان.
المسجد.. استهداف للهوية

وتتضح هذه الدلالة بصورة أكبر في الاعتداءات على المساجد.
ففي بلدة قصرة جنوب نابلس، أضرم مستوطنون النار في مسجد، ثم كتبوا شعارات على جدرانه ورسموا نجمة داود، بحسب سكان محليين.
ويرى حباس أن استهداف المسجد لا يمثل مجرد اعتداء على مبنى ديني، بل ضربة إلى أحد الرموز التي تنتج الهوية الجماعية وتربط السكان بالمكان.
أما رسم نجمة داود على الجدران، فيقرأه الباحث باعتباره إعلانًا رمزيًا عن السيادة والسيطرة: «هذا المكان لنا».
وهكذا يتجاوز العنف هدفه المباشر، ليطال الرموز التي تمنح المجتمع الفلسطيني إحساسه بالانتماء والاستمرارية.
لماذا تُكتب الشعارات أمام الجميع؟
ربما يكمن أحد أخطر جوانب الظاهرة في أن هذه الاعتداءات لا تحدث دائمًا في الخفاء.
فالكتابات توضع أحيانًا على واجهات تطل على الطرق العامة، وبصورة واضحة يمكن رؤيتها وتصويرها، بينما يتم تنفيذ بعضها بطريقة سريعة ومكشوفة.
ويرى حباس أن ذلك لا يعكس بالضرورة تهورًا، بل قد يكون تعبيرًا عن ثقة مرتكبي الاعتداءات بعدم تعرضهم للمحاسبة.
فحين يستطيع المعتدي إحراق منزل أو مسجد وكتابة تهديدات عنصرية على واجهته دون أن يخشى العقاب، يتحول ارتكاب الجريمة علنًا إلى رسالة بحد ذاته.
إنها رسالة عن ميزان القوة: الفلسطينيون يرون الاعتداء، والمستوطنون يعرفون أنهم يرونه، والجميع يدرك أن تكرار الحادثة ممكن.
العنف كأداة لإعادة رسم الأرض
تقدم اعتداءات جالود وقصرة نموذجًا لما يمكن أن يتحول إليه العنف الاستيطاني عندما يتجاوز الانتقام الفردي إلى مشروع للسيطرة على الأرض.
فإحراق الممتلكات، واستهداف المساجد والمدارس، وكتابة شعارات تطالب السكان بالرحيل، كلها أفعال تحمل في ظاهرها أهدافًا مختلفة، لكنها تجتمع في نتيجة واحدة: خلق بيئة يشعر فيها الفلسطيني بأن وجوده نفسه أصبح مهددًا.
وتشير روايات السكان والباحثين التي نقلتها الجزيرة إلى أن الرسائل المكتوبة على الجدران ليست مجرد كلمات غاضبة، بل جزء من منظومة ترهيب أوسع، تستخدم الكلمة والحرق والاعتداء لإرسال رسالة سياسية واجتماعية: أن الأرض محل نزاع على الوجود، وأن بقاء الفلسطينيين فيها هو نفسه هدف للعنف.
ومن هنا، لا تبدو عبارة «اخرجوا من القرية» مجرد تهديد عابر، بل تلخيصًا مكثفًا لمسار أخطر: تحويل العنف من وسيلة للانتقام إلى أداة لدفع السكان نحو الرحيل، وتغيير الواقع الديموغرافي على الأرض بالقوة والخوف.
وفي الضفة الغربية، حيث تتسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتتكرر هجمات المستوطنين، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: من كتب الشعارات على الجدران؟ بل من يملك القدرة على وقف الاعتداءات، ومحاسبة مرتكبيها، ومنع تحول التهديدات المكتوبة إلى تهجير فعلي للفلسطينيين من أرضهم؟
وكالات





اترك تعليقاً