أعياد المسلمين في الصين: موروث شعبي عريق في مواجهة سياسات “الـعـلـمـنـة” والقيود الرسمية
العمق التاريخي للإسلام في المنطقة
يعود الوجود الإسلامي في المنطقة إلى عهدي الخلافة الراشدة والأموية؛ حيث أُرسلت البعثات الدعوية إلى الصين، حتى شهد عام 96هـ/ 714م فتح تركستان الشرقية ودخول عاصمتها “كاشغر” بقيادة القائد الأموي قتيبة بن مسلم الباهلي. وسارع أهل البلاد من الإيغور الأتراك إلى اعتناق الإسلام ليصبح إقليماً إسلامياً خالصاً، انطلقت منه لاحقاً وفود الدعاة لنشر الدين في إقليم التبت وداخل العمق الصيني.
وتمثل أعياد المسلمين في الصين مناسبة دينية واجتماعية مهمة، يجتمع فيها الناس للصلاة والزيارات والولائم وإحياء العادات الشعبية؛ إلا أن احتفالات عيدي الفطر والأضحى باتت محاطة بتحديات واسعة ترتبط بالسياسات الحكومية والمجتمعية التي تؤثر على الخصوصية الدينية والثقافية للأقليات المسلمة، ولا سيما في تركستان الشرقية.
أجواء الأعـيـاد وعاداتها الأصيلة
في الأوضاع المعتادة، يحرص مسلمو الصين على إحياء عاداتهم التي تشمل الاغتسال وارتداء الملابس التقليدية الخاصة بكل قومية، والتوجه إلى المساجد أو الساحات العامة لأداء صلاة العيد جماعة. ويتخلل العيد تبادل التهاني، وزيارة الأقارب والأصدقاء، وتقديم الهدايا، وإعداد أطعمة خاصة للضيافة مثل المكسرات، والكعك المقلي، والفواكه، والشاي بالحليب، فضلاً عن إقامة الولائم العائلية وتبادل الأطعمة بين الناس وشكر الله على نعمه.
معوقات الاحـتـال وتحديات الحفاظ على الهوية
رغم هذه الأجواء، يواجه مسلمو الأويغور وغيرهم من الشعوب التركية في تركستان الشرقية تحديات كبيرة في ممارسة مظاهر الفرح والاحتفال بحرية. حيث تفرض السلطات الصينية قيوداً تحدّ من إظهار شعائر عيدي الفطر والأضحى بالشكل المعتاد، وتُجبر السكان على المشاركة في مناسبات وأعياد صينية رسمية لا تنتمي إلى عاداتهم الإسلامية أو تراثهم الثقافي.
وبدلاً من إتاحة أجواء العيد، يُطلب من السكان والطلاب والموظفين حضور مراسم وفعاليات ذات طابع سياسي ودعائي وزيارات جماعية إلزامية في أوقات ترتبط بمناسباتهم الدينية، مع فرض رموز وخطاب سياسي بدل الرموز الدينية المرتبطة بالعيد، مما يؤثر على إحياء العادات الاجتماعية والتجمعات التقليدية المصاحبة للأعياد.
سياسة “الـعـلـمـنـة” والمراقبة الأمنية
تتلاقى هذه الإجراءات مع ضغوط حكومية مستمرة تستهدف تقليل أهمية البُعد الديني لعيدي الفطر والأضحى، بهدف فصل العيد عن أصله الروحي وتحويله إلى مجرد احتفال ثقافي أو “وعي وطني صيني علماني” لتوجيه الولاء نحو الدولة وتضييق الخناق على “الاندماج الوطني”. وتحت شعارات مثل “إظهار الاهتمام بالجمهور” أو “زرع بذور الوحدة الوطنية في قلوب الجميع”، تكثف الشرطة والأجهزة الأمنية حضورها وسط المصلين والمحتفلين كأداة للرقابة المباشرة.
سـيــاق قـمـعـي مـمـتـد
تأتي هذه المعوقات الخاصة بالأعياد في ظل إجراءات قمعية سنوية أوسع تستهدف الحريات الدينية؛ حيث يُمنع الأويغور في تركستان الشرقية كل عام من صيام شهر رمضان والصلاة، وحظر الحزب الشيوعي الصيني بشكل ممنهج الممارسات والتعاليم الإسلامية الأساسية تحت ستار مكافحة التطرف.
وتؤكد تقارير دولية عن تعرض 16,000 مسجد “65% من مساجد تركستان الشرقية” للهدم أو التشويه، مع احتجاز أكثر من مليون شخص في معسكرات “إعادة تأهيل”. ويتم تجريم الشعائر كالصيام واقتناء المصاحف باعتبارها “أعراضاً لمرض عقلي”، مع تحويل المواقع الدينية إلى مراكز سياحية لطمس الهوية الإسلامية واستبدالها بالولاء الحزبي.
يضاف إليهم تحدي كونهم أقلية دينية وعرقية تواجه ضعف معرفة المجتمع الصيني الواسع بالإسلام وعادات المسلمين، مما يجعل الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية في الأعياد معركة مستمرة.





اترك تعليقاً