لأكثر من 50 سنة ظل الصراع حول الصحراء المغربية يشكل أحد أطول النزاعات الإقليمية في إفريقيا، منذ اندلاع المواجهات المسلحة في منتصف سبعينيات القرن الماضي، غير أن جذوره تمتد أعمق من ذلك بكثير، إلى قرابة قرنٍ ونصف، حين شرع الاحتلال الفرنسي والإسباني في تقسيم المجال المغاربي خلال أواخر القرن التاسع عشر.
فالصحراء التي كانت عبر قرون جزءاً لا يتجزأ من رقعة الدول التي تعاقبت على حكم الجناح الغربي للعالم الإسلامي والذي كان تمتد حدوده حتى نهر السينغال، وقد ارتبط هذا الجزء من الصحراء تاريخياً بالسلطة المركزية في البلاد من خلال البيعة التي كانت تربط القبائل الصحراوية بسلاطين الدولة، كما كان الخليفة السلطاني في الساقية الحمراء وما بعدها يمثل الامتداد الإداري للسلطان المغربي في الجنوب.
وتبرز في هذا السياق شخصية الشيخ ماء العينين مؤسس مدينة السمارة، الذي كان رمزاً لوحدة التراب المغربي ومقاومة الأطماع الصليبية الإسبانية والفرنسية على حد سواء.
في سنة 1301هـ (1884م)، وبعد صمود طويل لمقاومة قبائل الصحراء بقيادة ماء العينين، فرض الاحتلال الإسباني سيطرته على أجزاء من السواحل الجنوبية المغربية، ليدخل الإقليم مرحلة جديدة من التوترات والتحولات الجيوسياسية، تفاعلت خلالها إرادة تحرير الأراضي ووقف المد الصليبي مع سياسات التقسيم الاستعماري، لتتبلور لاحقاً قضية الصحراء المغربية كأحد أبرز ملفات تصفية الاستعمار في القرن العشرين.
منذ انسحاب إسبانيا في ذي القعدة 1395هـ (نوفمبر 1975م)، برز النزاع بين الرباط وجبهة “البوليساريو” ذات الأسس الماركسية الاشتراكية المدعومة من الجزائر وليبيا القذافي، ليستمر في مسارات عسكرية وسياسية متشابكة، كان آخر فصولها قرار مجلس الأمن الدولي في 1447هـ (أكتوبر 2025م) على أولوية الحل السياسي، استناداً إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
المقاومة الصحراوية وظهور “البوليساريو“
مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، بدأت تتشكل في أوساط القبائل الصحراوية حركات احتجاجية متفرقة تعبّر عن رفضها للاحتلال. وقد شكّلت “انتفاضة الزملة” في العيون، نسبة لحي بالمدينة انطلقت منه مسيرة شعبية، في 12 ربيع الآخر 1390هـ (17 يونيو 1970م)، لحظة مفصلية في هذا المسار.
وكانت هذه الانتفاضة، التي قادها محمد سيدي إبراهيم بصيري احتجاجاً سلمياً ضد التواجد الإسباني ومطالبة بإنهاء الاحتلال. إلا أن قوات الاحتلال واجهت المتظاهرين بإطلاق النار عليهم ما أدى إلى سقوط قتلى وحالات اعتقال، مما شكل نقطة تحول نحو العمل المسلح.
في هذا السياق، برزت نواة من الطلبة والمناضلين، أغلبهم من الجنوب المغربي اجتمعوا على فكرة تأسيس تنظيم ثوري يجمع الصحراويين في كيان واحد يقود الكفاح المسلح.
وفي 7 ربيع الآخر 1393هـ (10 مايو 1973م)، أعلن هؤلاء الشباب في منطقة الزويرات الموريتانية عن تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو)، بزعامة الولي مصطفى السيد. وقد حدّدت الجبهة في بيانها التأسيسي هدفها الرئيسي في “تحرير الصحراء من الاستعمار الإسباني”، لتبدأ بعد أيام أولى عملياتها المسلحة ضد المواقع الإسبانية، معلنة بذلك بداية مرحلة جديدة من الصراع.
يوضح المحجوب السالك، أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو)، أن الهدف الأساسي من تأسيس الجبهة كان تحرير الصحراء المغربية من الاستعمار الإسباني، وليس إعلان دولة انفصالية.
وأشار السالك، إلى أنه توجه في سياق الحركة الاحتجاجية السلمية، مع زملاء له في الدراسة لمطالبة الدولة، بمساندة الصحراويين لطرد الاستعمار، وقال “لقد كانت رسالتنا: نحن أبناء جيش التحرير المغربي، ساعدونا لتحرير الصحراء”.
وبعد سنتين من “انتفاضة الزملة”، يضيف السالك: توجهنا من الرباط إلى طانطان حيث كانت تُنظم مناسبة موسمية شعبية تجمع الصحراويين من جميع المناطق؛ من تندوف، والزويرات، وموريتانيا، والصحراء. وهناك اندلعت احتجاجات ردد خلالها المتظاهرون شعارات من قبيل: “بالكفاح والسلاح نفدي الصحراء بالأرواح، الصحراء تصبح حرة وإسبانيا تخرج برا”. لكن سلطات الاحتلال، يضيف المتحدث: “قمعتنا، وتعرضنا للضرب”.
وتابع المحجوب السالك “هذا هو السياق الذي أدى إلى ظهور جبهة البوليساريو”. وأكد على أن مؤسسيها مغاربة يحملون الجنسية المغربية، مشدداً على أنه لم يكن الهدف منها “تأسيس دولة مستقلة في الصحراء، وإنما تحرير هذه الأخيرة من الاحتلال الإسباني”.
بداية الانسحاب الإسباني
قبل الحديث عن الانسحاب الإسباني من الصحراء المغربية، وقبل الحديث حتى عن المسيرة الخضراء التي زحفت نحو هذه الأخيرة، لا بد من الوقوف عند تاريخ 10 شوال 1395 (16 أكتوبر 1975م)، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً مهماً بشأن نزاع الصحراء المغربية، حيث أقرّت بوجود روابط قانونية وتاريخية بين الرباط وقبائل الصحراء التي كانت مرتبطة بعلاقات بيعة مع سلطان المغرب، مما يبرز حق المملكة المغربية في المطالبة بالمنطقة.
جاء هذا القرار، على إثر الخلاف بين المغرب وموريتانيا بعد سنوات قليلة من استقلال هذه الأخيرة من المغرب وكان هذا الخلاف بشأن مستقبل الإقليم، إذ اعتبر المغرب أن الصحراء جزء لا يتجزأ من أراضيه، بينما رأت موريتانيا أن هناك امتدادًا اجتماعيًا وثقافيًا يربط مجموعات قبلية في الصحراء بالمجتمع الموريتاني، لتقترح إسبانيا سنة 1394هـ (1974م) تنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة، وهو ما رفضه المغرب لتضمنه خيار الاستقلال.
وردًّا على ذلك، تقدّم المغرب وموريتانيا بطلب مشترك إلى الأمم المتحدة لإحالة المسألة على محكمة العدل الدولية من أجل استصدار رأي استشاري حول الطبيعة القانونية لإقليم الصحراء.
وبالإضافة إلى إقرارها بوجود علاقات تاريخية بين المغرب والصحراء، أشارت محكمة العدل الدولية كذلك إلى أن “هذه الروابط لا ترقى إلى السيادة الكاملة التي تمنع مبدأ تقرير المصير”، وهو ما رفضه المغرب.
وفي نفس اليوم الذي أصدرت فيه محكمة العدل الدولية رأيها (16 أكتوبر)، أعلن ملك المغرب الحسن الثاني في خطاب بمدينة مراكش، تنظيم مسيرة سلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية الجنوبية، ووضع حد للاستعمار الإسباني.
المسيرة الخضراء واتفاقية مدريد
في 2 ذي القعدة 1395هـ (السادس من نوفمبر 1975م)، اتجه حوالي 350 ألف مواطن مغربي من جميع أنحاء البلاد في حدث وطني بارز نحو الصحراء المغربية استجابة لنداء الملك الحسن الثاني، في “مسيرة خضراء” حاشدة لاستعادة إقليم الصحراء من الاستعمار الإسباني بطريقة سلمية، ولم يصطحب المشاركون فيها أي سلاح ولم يحملوا معهم إلى جانب قوتهم سوى المصاحف والأعلام المغربية في تعبير عن السلمية والوحدة الوطنية.
وانطلقت المسيرة الخضراء بعد أقل من شهر من قرار محكمة العدل الدولية، الذي أقر بوجود روابط قانونية وتاريخية بين المغرب والأقاليم الصحراوية، لتنجح في النهاية في الضغط على إسبانيا للانسحاب من الإقليم، وهو ما نتج عنه في ما بعد توقيع اتفاقية مدريد بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، ما سمح باستعادة المغرب لجزء كبير من الصحراء دون مواجهة عسكرية.
وفي 10 ذي القعدة 1395هـ (14 نوفمبر 1975م)، تم توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا، الذي تنازلت بموجبه إسبانيا عن إدارتها للمنطقة ليتم تقاسمها بين المغرب الذي حصل على الثلثين الشمالي والجنوبي، وموريتانيا التي سيطرت على الثلث الجنوبي الغربي، وذلك في سياق ضغوط مغربية ودولية لإنهاء الاحتلال الإسباني، خاصة بعد نجاح المسيرة الخضراء التي نظمها المغرب قبل أسبوع من توقيع الاتفاق.
نهاية الاستعمار وبداية النزاع
في صفر 1396هـ (فبراير 1976م)، انسحبت إسبانيا رسمياً من المنطقة بعد سنوات من احتلالها وسنوات من المعارك والصراع.
ورغم ذلك لم تنسحب إسبانيا إلا وقد تركت خلفها أطول نزاع في القارة السمراء مفتوحاً على الصعيد الإقليمي والدولي.
تحوّلت معركة التحرير وطرد إسبانيا إلى حرب مسلحة بين المغرب وجبهة “البوليساريو” التي أعلنت من جانب واحد تأسيس كيان سياسي في 27 صفر 1396هـ (28 فبراير 1976م) سمّته “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” بدعم من الجزائر وليبيا والمعسكر الاشتراكي.
وأفاد المحجوب السالك بأنه بعد مقتل الولي مصطفى السيد، مؤسس جبهة البوليساريو، الذي رغب في فتح حوار مع المغرب ولم يكن منسجماً مع موقف الجزائر، حسب المتحدث “تحولت الجبهة إلى أداة في يد المخابرات الجزائرية، التي قامت بتعيين محمد عبد العزيز، الذي لم يكن من القادة الأوائل، بل كان مجرد إطار من الطبقة الوسطى. لتفقد الجبهة مبادءها وقيمتها كثورة، وتتحول إلى بيدق لإزعاج المغرب وليس لتحرير الصحراء”.
وانسحبت موريتانيا من الصحراء المغربية في أوج الحرب عام 1399هـ (1979م)، ليضم المغرب حصته من المنطقة، فيما تواصلت المواجهات مع جبهة “البوليساريو”، إلى حين تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة عام 1411هـ (1991م).
مبادرة المغرب وتأكيد السيادة
مع استمرار الجمود السياسي، قدم المغرب للأمم المتحدة مقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وذلك في 23 ربيع الأول 1428هـ (11 أبريل 2007م)، كحل سلمي ودائم، يتيح لسكان الصحراء إدارة شؤونهم الداخلية مع بقاء السيادة المغربية.
وفي 1442هـ (نوفمبر 2020م)، اندلعت أزمة في معبر الكركرات الحدودي الذي يفصل بين المغرب وموريتانيا بعد أن أقدمت جبهة البوليساريو على إغلاق المعبر الذي يُعدُّ نقطةً استراتيجية للتبادل التجاري بين البلدين، وهو ما اعتبر تصعيداً من طرف البوليساريو التي قامت بإغلاق المعبر في محاولة لفرض حصار على التجارة العابرة بين المغرب ودول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما أدى إلى حدوث أزمة إنسانية وتجارية.
على إثر ذلك، قامت القوات المسلحة الملكية المغربية بعملية عسكرية لإعادة فتح المعبر بشكل سلمي، حيث نشر الجيش المغربي تعزيزات أمنية في المنطقة ليفرض سيطرته على المعبر ما أسهم في استقرار معبر حيوي يربط المغرب بموريتانيا وعموم منطقة غرب إفريقيا، حيث تم تأمين الحركة التجارية وحركة الأفراد.
ومن أهم انعكاسات هذا الحدث على معركة المغرب في قضية الصحراء، تأكيد السيادة المغربية من خلال إعادة فتح المعبر بشكل سلمي، حيث عبرت الرباط عن عزمها على الحفاظ على سيادتها، ورفض أي محاولات لزعزعة الاستقرار في أراضيها، كما أكدت أن المغرب مستعد لحماية مصالحه الوطنية باستخدام الوسائل الدبلوماسية والعسكرية عند الحاجة.
تحولات دبلوماسية هامة
في 1442هـ (ديسمبر 2020م)، اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً بسيادة المغرب على الصحراء، مقابل دخول المغرب فيما يسمى “اتفاقيات أبراهام” لتطبيع العلاقات الإسرائيلية مع دول عربية، والتي شملت اتفاق إعادة العلاقات بين الرباط وتل أبيب والذي تم في نفس اليوم.
وتبع اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء عدة دول أوروبية على رأسها إسبانيا التي خلقت هذه المشكلة وفرنسا وبريطانيا.
قرار مجلس الأمن: أكتوبر 2025
في 9 جُمادى الأولى 1447هـ (31 أكتوبر 2025م)، اعتمد مجلس الأمن الدولي قراراً يدعم مقترح الحكم الذاتي الذي قدّمه المغرب سنة 1528هـ (2007م) باعتباره الإطار المقبول والواقعي لمعالجة النزاع القائم منذ خمسة عقود، داعيًا الأطراف المعنية إلى الدخول في مفاوضات على هذا الأساس.
وصوّت لصالح القرار 11 عضواً من أصل 15، في حين امتنعت روسيا، والصين، وباكستان عن التصويت، بينما لم تشارك الجزائر في عملية التصويت.
القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية، نصّ كذلك على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) لمدة عام واحد، إلى غاية 19 جُمادى الأولى 1448هـ (31 أكتوبر 2026م).
الوضع الحالي على الأرض
سيطر المغرب على أغلبية الأراضي الصحراوية بينما تتمركز قوات البوليساريو في ولاية تندوف الجزائرية, وتقوم من حين لآخر ببعض العمليات المحدودة ضدد الجيش المغربي وتكتفي بالتمركز في المخيمات ومعسكرات التدريب.




اترك تعليقاً