لم يعد الجدل الذي أثاره وسم «2030 بلا نقاب» مجرد نقاش على منصات التواصل حول لباس المرأة المسلمة. فخلال أيام، انتقل خطاب إحدى المشاركات في الموجة المناهضة للنقاب إلى التعرض لمقام النبي محمد ﷺ، قبل أن تعلن شرطة منطقة الرياض ضبط امرأة بسبب محتوى مرئي قالت إنه تضمن «المساس والتطاول على الثوابت والقيم الدينية»، وإيقافها وإحالتها إلى النيابة العامة.
والواقعة تطرح سؤالًا أكبر من الجدل حول اللباس الإسلامي: حين تُقدَّم حملة للمسلمات تحت عنوان «تحرير المرأة»، ثم يجد في صفوفها من ينتقل من الاعتراض على النقاب إلى التعرض للنبي ﷺ الذي تؤمن به المسلمة وتحبه وتتخذه قدوة، فأي مفهوم للحرية يُراد تقديمه لها؟
من «حرية الاختيار» إلى «2030 بلا نقاب»
برز وسم «2030 بلا نقاب» بقوة على منصة X في أواخر سبتمبر/أيلول 2026، وتتبعت جهة ترصد النقاشات المتعلقة بالنقاب ظهوره المكثف منذ نحو 26 سبتمبر، إلى جانب صيغ إنجليزية مثل #2030_No_Niqab و#no_more_Niqab. كما تناولت وسائل إعلام عربية تصدر الوسم للنقاش في السعودية.
قدمت مشاركات في الحملة القضية باعتبارها مواجهة مع فرض النقاب على النساء، وإن كانت المتصدرات فيها أغلبهن لا يلبسن الحجاب ناهيك عن النقاب، ما طرح التساؤلات بشأن دوافع هذه الحملة؟
وبالفعل، لم تبق جميع المنشورات عند المطالبة بمنع النقاب. فرصد المنشورات العامة وجد دعوات إلى حرق النقاب وعبارات مسيئة بحق نساء يرتدينه، إلى جانب خطاب يعتبره رمزًا ينبغي التخلص منه.
وهنا بدأ السؤال يتغير: هل المطلوب إعطاء النساء حرية نزع النقاب أم أنها في الواقع الحرب المعادية للنقاب؟
ودخلت كيلي-جاي كين على الخط ولم يبق النقاش محصورًا داخل السعودية.
ففي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، استضافت الناشطة البريطانية كيلي-جاي كين، المعروفة باسم «بوزي باركر» ومؤسسة حركة Let Women Speak، مساحة على X حملت عنوان No Niqab by 2030، وأفسحت فيها المجال خصوصًا لنساء من السعودية ومنطقة الشرق الأوسط للحديث عن النقاب وتجاربهن معه.
ولم يكن موقف كين مجرد المطالبة بحماية المرأة من الإكراه؛ فملخص المساحة المنشور يسجل دعوتها إلى حظر النقاب، وتقديمه بوصفه أداة لإخضاع المرأة، مع دعوتها كذلك إلى حظره في بريطانيا.
والبحث في خلفية الناشطة والسياسية البريطانية كيلي-جاي كين، المعروفة باسم «بوزي باركر»، يكشف مواقفها المعادية للإسلام والمسيئة للنبي ﷺ التي تكشف حقيقة دوافعها في هذه الحملة المحاربة ليس للنقاب فحسب بل للإسلام كله.

التحقيق في خلفية كيلي يكشف أيضا المناصرة الصفيقة للاحتلال الإسرائيلي والاستهانة بدماء أهل غزة الذين شهدوا إبادة متواصلة منذ أكثر من 3 سنوات، حيث كتبت في أحد منشوراتها:"لا يهمني غزة ولو بالقدر اليسير. يربون أطفالهم ليكونوا شهداء، مستوى إنسانية أقل من البشر".


وشددت في تعليق على منشور من أحد الناشطين على منصة إكس يعرّي دمويتها ولا إنسانيتها بحق أطفال ونساء فلسطين بدفاعها عن الاحتلال الصهيوني، أن "علينا التركيز على الحجاب!".

وبالفعل جمعت الصهيونية كيلي النساء والفتيات في بثوثها واجتماعاتها الصوتية وفتحت الباب لكل نسوية وسفيهة للتعاون على نبذ النقاب وشيطنته بل والتواطؤ على معاداة الإسلام وبغض شرائعه. وهنا تظهر مفارقة أساسية في خطاب الحملة، لقد أصبح الأمر حربا على الدين وثوابته لا على النقاب فحسب.
ولهذا لم يكن عجيبا التطور الأخطر الذي رافق الحملة وقضى على آمالها، حيث برزت إحدى المتصدرات - نسوية متبرجة بدون حجاب أساسا - برزت في الحملة وهي تنتقل في حديثها من قضية النقاب إلى كلام يمس مقام النبي محمد ﷺ. فتتهمه بالذكورية وتنكر عليه ﷺ بأسلوب وقح الافتاء في أمر النساء! وهنا تتغير طبيعة المسألة بالكامل.
فمحمد ﷺ بالنسبة للمسلم ليس شخصية اجتماعية قابلة للاستخدام أداةً في خصومة على وسائل التواصل، ولا مجرد شخصية تاريخية يمكن فصلها عن إيمان المسلمين. إنه رسول الله، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
ولذلك فإن الانتقال من مناقشة حكم النقاب إلى التعرض لمقام النبي ﷺ لا يمثل «حجة» ضد النقاب أصلًا، وإنما يكشف انتقال النقاش من الحرب على النقاب إلى الاعتداء على أحد أعظم مقدسات المسلمين رسول الله ﷺ. وهذا يكشف طبيعة الحملة وأهدافها.

واللافت أن هذا التجاوز ممن تدعى سارة ديفا، أثار اعتراضًا حتى داخل الدائرة المؤيدة للحملة. ففي لقطة من منشور على X اطلعت عليها «وصل»، علقت إحدى المؤيدات بعبارة واضحة مفادها أن المرأة المسيئة «نسفت كل مجهودات الهاشتاق» بسبب تطاولها على «أشرف الخلق».
وهذه العبارة مهمة؛ لأنها تكشف العمل المنظم للحملة وتكشف أن المتصدرات فيها لم يكن على مستوى واحد من الفهم لما يجري. كما تكشف أن الحماقة والسفاهة لهما ثمنهما.

وأثار تسجيل الناشطة سارة المسيئة للنبي ﷺ غضبا واسعا في مواقع التواصل ودعوات لمحاسبتها. وكشف تتبع منشوراتها مواقفها المعادية بشكل صفيق لشعائر الإسلام، حيث تعيد نشر المقاطع التي تلقي بالنقاب في القمامة وتروج للخطاب النسوي القذر والمعادي للإسلام. وفي مساء 6 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت شرطة منطقة الرياض ضبط المرأة التي ظهرت في محتوى مرئي قالت إنه تضمن «المساس والتطاول على الثوابت والقيم الدينية».
وقالت الشرطة إنه جرى إيقافها واتخاذ الإجراءات النظامية بحقها وإحالتها إلى النيابة العامة. ونقلت وسائل إعلام سعودية البيان نفسه.

ولم تكن سارة المسيئة لمقام النبي ﷺ الوحيدة المصابة بداء النسوية، فقد رافق هذه الحملة عدد كبير من النسويات اللاتي لا يعنينهن الإسلام بشيء ولكنهن يحاولن فرض تصوراتهن المنحرفة والمريضة على المسلمات. وحربهن كانت على كل ما يتصل بالإسلام .. من نصوص شرعية إلى مشايخ ودعاة إلى أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن.

واللافت للانتباه أن سارة المسيئة بعد الإنكار الشديد عليها خرجت في تسجيل آخر وأكدت على أن ما قالته ليس خاطئا وأصرت على أنها ما تزال تعتقده، وواصلت التسجيل بالتطاول على منتقديها، وتهديدهم والدعاء عليهم. فقدمت دليل إدانة جديد عليها.
مقام النبي ﷺ أعظم ويكشف شيئا عظيما
المشكلة هنا ليست أن امرأة اختلفت مع قول فقهي في تغطية الوجه؛ فالخلاف الفقهي يُناقش بالعلم والدليل، لكن القضية تجلت في عداء كبير جدًا للنقاب وشيطنة له، والسخرية من المنتقبات حتى أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن، وبرز الوجه الكالح للنسويات اللاتي لا يمكنهن إخفاء خبثهن في الحملة، فخسرن ببلادتهن فرصة إسماع صوتهن للناس، إذ لا توجد تجربة شخصية مع النقاب، مهما زعم أنها مؤلمة، تمنح صاحبها الحق في الإساءة إلى مقام النبي ﷺ وأمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن.
والخلاف في مسألة النقاب في الساحة الفقية لا يتجاوز الخلاف بين الفرض والفضيلة، وكلاهما مرتبة شرف ومنقبة، أما إعلان الحرب على النقاب، فلا يفعلها إلا المعادي للإسلام وشرائعه.
والنظر للقضية بهذه الزاوية المسيئة لسيد الخلق أجمعين وفي قيادتها المعادية علنا للإسلام والمسيئة بحقد للنبي ﷺ يكشف حقيقة أن هذه الحملة لا تمت للمسلمات بصلة، فلا يمكن للمسلمة أن تقل أدبها وتسيء لمقام نبيها ﷺ فضلا عن أن ترضى البقاء في حملة تسيئ لنبيها فدته الأنفس والمهج. وهو ﷺ الذي أوصى بالنساء، فقال: «استوصوا بالنساء خيرًا».
فكيف حين يتبين أن الحملة تديرها نساء نسويات منفلتات، محاربات لدين الله ورسول الله ﷺ، وتوجههن صهيونية بريطانية شديدة العداء للنبي صلى الله عليه وسلم وللإسلام. فأي حملة هذه التي تتعاون على الكفر والإثم والعدون بزعم تحرير المرأة المنتقبة؟
اعتقال المسيئة يردع المتطاولات


أدى الإنكار الشديد والسريع على المسيئة وخبر اعتقالها إلى حالة خوف وهروب من النسويات المتواطئات في الحملة ضد النقاب والستر، الداعيات للانحلال والمناكفة السفيهة للرجال .. وأغلقن الحسابات أو أخفينها، خشية التبعات.
واللافت أن أكثر الحسابات لفتيات ونساء بأسماء مستعارة تظهر عليها الانهزامية للنسوية، والتأثر بخطابها. وهذا يجعل من التدافع أمرا مهما جدًا في ساحة التواصل. وتصحيح المفاهيم والرد على الشبهات والعدوان واجبا على كل ناشط مسلم في هذه المواقع.
ومن هنا تبدو المفارقة أشد وضوحًا: حملة تخاطب المرأة المسلمة باسم كرامتها لا تستطيع أن تتجاهل أن من أعظم مكونات هوية ملايين المسلمات إيمانهن بالله ومحبة رسوله ﷺ.
وليس من المنطقي تقديم احتقار مقدسات المسلمات بوصفه امتدادًا لـ«تحريرهن».
لقد ظهرت ردود أخرى تناصر المسيئة للنبي ﷺ وتهون من كلامها القبيح، وجهلها المركب، وأغلبها من فتيات ونساء متشبعات بالفكرة الغربية والنسوية، الباحثات عن كسر قيد الستر في بلاد مسلمة. تقودهن نساء متبرجات بحسابات نسوية فاسقة، يحاربن النقاب وهن أنفسهن لا يلبسن الحجاب، فالمسألة ليست خلافا مع النقاب، إنما خلافا مع الدين كله.
لكن الواقعة تجعل من المشروع مساءلة البيئة الخطابية التي تتشكل حول الحملة: أين ينتهي الدفاع عن تعرية المرأة، وأين يبدأ العداء لما تؤمن به المرأة نفسها؟
وحين تتلقف ناشطة بريطانية صهيونية حملة سعودية، وتطالب بحظر النقاب عالميًا، بينما يصل خطاب إحدى المشاركات في الموجة ذاتها إلى مقام النبي ﷺ، يصبح من حق المسلمات أن يسألن من يتحدث باسم «حريتهن» المزعومة؟
وهل المطلوب منع النقاب حقا، أم إعادة تشكيل علاقة المسلمة بدينها حتى تصبح أكثر قبولًا لدى من ينظر إلى النقاب والإسلام بعداء من خارجهما؟
إن المساس بمقام نبينا محمد ﷺ، ليس درجةً في سلم حملة اجتماعية، ولا مادة دعائية لتسجيل نقطة في خصومة على منصة X. إنه قضية حياة أو موت.
لقد عرف المسلمون نبيهم ﷺ قبل ظهور هذه الوسوم بأكثر من أربعة عشر قرنًا، وعرفوه رحمةً وهدى وقدوة، قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقد تخفت ضوضاء الوسوم بعد أيام، وتنتهي الحملات كما انتهت قبلها حملات كثيرة منهزمة، ويبقى عند المسلمين اسم محمد ﷺ في الأذان والصلاة والقرآن، وفي قلوب أمة ترى محبته جزءًا من إيمانها.
وهنا تحديدًا أخطأت الحملة السفيهة وجهتها: بدأت الخصومة بالنقاب، لكنها حين بلغت مقام النبي ﷺ لم تعد تناقش لباس امرأة؛ بل مست شيئًا أعظم وأعمق في وجدان المسلمين ستدفع ثمنه ولابد.
إن المساس بشعائر الإسلام ونبي الإسلام ﷺ ليس مسألة حرية شخصية، إنه مسألة عقيدة ووجود. فهل سيتقبل لوبي النسويات المدعوم من الصهيونية البريطانية الهزيمة أم سيتطلب الأمر مزيد مدافعة وفضح لخبثهن، كي يهدأ شرهن؟
حراس ثغور التواصل يحملون اليوم على عاتقهم واجب ردع المتطاولات والمسيئات .. وإعلاء كلمة الله تعالى وصيانة حرمات الدين، حتى يرتدع أعداء الإسلام عن محاولاتهم الصفيقة وينشغلون بتحرير المرأة الغربية التي تحمل من المعاناة ما يكفي لتغطية نشاط قنواتهم الإعلامية سنينا متواصلة.
وأما فرسان الدعوة والتربية فهذا صراع يتطلب الصبر وتبيان الحقائق بحكمة وبصيرة، لكي لا تستدرج الدعوات الضالة الفتيات الصغيرات لجهل وسفاهة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



