المسيّرات: الإسرائيلية والفلسطينية

المسيّرات: الإسرائيلية والفلسطينية

تعتبر تجربة الكيان في صناعة وتطوير المسيرات من بين الأبرز في العالم، حيث تم التركيز على هذه الأسلحة كمنظومة استراتيجية وتم استثمار إمكانيات مالية وبشرية كبيرة جدًا فيها.

وفي المقابل كانت تجربة المقاومة الفلسطينية تجربة ملهمة وفريدة من نوعها بالمقارنة مع التجارب الأخرى، بالنظر للإمكانيات والقدرات المتوفرة.

سنتطرق في التقرير الرابع من سلسلتنا عن المسيرات لكلا التجربتين (الإسرائيلية والفلسطينية) مع التركيز على مراحل كل واحدة منها، كيف بدأت وتطورت وصولًا لما هي عليه اليوم.

التجربة الإسرائيلية

“إسرائيل” من الدول الرائدة عالميًا في تطوير وتصنيع الطائرات المسيرة، حيث بدأت صناعتها منذ عقود وتمكنت من تصديرها إلى عشرات الدول. يعتمد الجيش الإسرائيلي بشكل كبير على هذه التقنيات في عمليات المراقبة والاستطلاع والضربات الجوية. فكيف بدأت هذه الصناعة؟ وما هي أبرز الطائرات المسيرة الإسرائيلية؟ ومن هي الدول التي تشتريها؟

  1. النشأة والتطور التاريخي
    بدأت صناعة الطائرات المسيرة في دولة الكيان في سبعينيات القرن الماضي، كرد فعل على الحاجة إلى وسائل استطلاع آمنة وفعالة بعد حرب 1973 (حرب أكتوبر).
image 56

أول مسيرة إسرائيلية: كانت “سكايلارك 1” (Scout) التي دخلت الخدمة عام 1981، واستخدمت في حرب لبنان 1982 بنجاح كبير.


التطور اللاحق

image 57

في التسعينيات، ظهرت طائرات أكثر تطورًا مثل “سيرتس 1” (Searcher) و”هيرميس 450″، ثم “هيرون” (Heron) التي أصبحت من أشهر الطائرات المسيرة الإسرائيلية.


عصر المسيرات القتالية

image 58

في العقدين الأخيرين، طورت “إسرائيل” طائرات مسيرة قادرة على تنفيذ ضربات، مثل “هاروب” (Harop) المسيرة الانتحارية.

  1. أبرز الطائرات المسيرة الإسرائيلية
    تتنوع المسيرات الإسرائيلية ما بين المخصصة للاستطلاع والرصد والمراقبة والطائرات المخصصة للضربات الجوية والطائرات الانتحارية.
image 59

هيرون TP: تستطيع القيام بعمليات الاستطلاع والمراقبة والهجوم ونقل البيانات والضربات، ويقدر ثمنها بحوالي 20–30 مليون دولار.

image 60

هاروب: مسيرة انتحارية تستعمل في تدمير الأهداف الرادارية والدفاعية، ويقدر ثمنها بـ 100–150 ألف دولار.

image 61

إيتان (Eitan): مسيرة كبيرة بعيدة المدى، مخصصة للاستخبارات والعمليات المتعددة، ويقدر ثمنها بـ 50–70 مليون دولار.

image 62

أوربان (Orbiter): مسيرة خفيفة مخصصة للمراقبة التكتيكية، ويقدر ثمنها بـ 50–100 ألف دولار.

  1. الدول المشترية للطائرات المسيرة الإسرائيلية
    تصدر “إسرائيل” طائراتها المسيرة إلى عشرات الدول، منها:
    أوروبا: ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، بولندا.
    آسيا: الهند، سنغافورة، الفلبين، أذربيجان، الإمارات.
    أمريكا الشمالية: الولايات المتحدة وكندا (تعاون في تطوير تقنيات مسيرة).
    أفريقيا: نيجيريا، المغرب، إثيوبيا، أوغندا.

أكبر الصفقات الحديثة

صفقة الهند (2020): شراء طائرات “هيرون” و”هاروب” بقيمة 200 مليون دولار.
صفقة ألمانيا (2023): شراء طائرات “هيرون” لتعزيز الاستخبارات.

  1. المسيرات التي يستوردها جيش الاحتلال
    رغم أن “إسرائيل” مصنّع رئيسي للمسيرات، إلا أنها تستورد بعض الأنواع لأغراض متخصصة خصوصًا من الولايات المتحدة، مثل:
image 67


“RQ-4 غلوبال هوك” (Global Hawk) الأمريكية للمراقبة بعيدة المدى.
“MQ-9 Reaper” لأغراض الضربات الدقيقة.

    تمثل صناعة الطائرات المسيرة في “إسرائيل” نجاحًا تكنولوجيًا وعسكريًا، حيث أصبحت أحد أهم مستعملي ومصدري هذه التقنيات عالميًا. ومع تزايد الاعتماد على المسيرات في الحروب الحديثة، من المتوقع أن تستمر مجهودات جيش الاحتلال في تطوير هذه التكنولوجيا والحرص على احتكارها.

    التجربة الفلسطينية

    في ظل الحصار المشدد والتحديات التكنولوجية ونقص الإمكانات والموارد، استطاعت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أن تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الصناعات العسكرية بغزة. مسيرة كفاح تقني بدأت من الصفر لتصل إلى تصنيع طائرات مسيرة قتالية، والانطلاقة كانت مع المهندس الشهيد محمد الزواري، الأب الروحي للمسيرات القسامية.

    1. النشأة: من الورش البدائية إلى خط التصنيع
      أدركت القسام مبكرًا أهمية الطائرات المسيرة في موازنة القوة مع الجيش الإسرائيلي.
      بدأت فكرة تطوير مسيرة جوية عام 2003 على يد المهندس نضال فرحات، عضو كتائب القسام، الذي عمل على صناعة صاروخ القسام الأول “القسام1”. ثم توقف العمل على الفكرة إثر اغتياله، وذلك بعد تفخيخ مسيرة كان بصدد تطويرها.
      استؤنف العمل على تطوير مسيرة جوية في عام 2006 بعد التحاق المهندس التونسي محمد الزواري بكتائب القسام.
    image 64


    وبحلول عام 2008 كان الزواري رحمه الله قد أشرف على تصنيع 30 طائرة دون طيار أطلق عليها اسم “أبابيل”، وكان ذلك في العام نفسه الذي اندلعت فيه حرب الفرقان. أنتجت من مسيرة أبابيل ثلاثة أنواع:

    • أبابيل (إيه) للمهام الاستطلاعية،
    • أبابيل (بي) للمهام الهجومية والقذف،
    • وطراز أبابيل (سي) للمهام الانتحارية.


    وأعربت مصادر أمنية إسرائيلية حينها عن مخاوفها من احتمال حصول كتائب القسام على طائرات مسيرة، وعن تخوفها من تمكنها من تطويرها بنفسها.

    كان الظهور الأول لأبابيل سنة 2014، حيث تم الإعلان عن دخولها الخدمة خلال معركة “العصف المأكول”، وإعلان الكتائب عن تمكن الطائرة من تنفيذ مهام رصد واستطلاع فوق مبنى وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب.

    وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 2016، نعت كتائب القسام شهيدها التونسي محمد الزواري الذي تعرض للاغتيال على يد الموساد الإسرائيلي في تونس، وكشفت للمرة الأولى عن كونه أحد قادة الكتائب والمشرفين على مشروع طائرات الأبابيل القسامية.

    وشكل اغتيال الزواري خسارة ثقيلة لمشروع الطائرات المسيرة، لكن الخبرات التي اكتسبها مهندسو الكتائب خلال سنوات العمل معه مكنتهم من مواصلة المشروع وتطوير نماذج جديدة.

      الزواري وشهاب

      image 65
      image 66

      خلال معركة “سيف القدس” عام 2021، أعلنت كتائب القسام إدخال طائرتين مسيرتين جديدتين إلى الخدمة هما “الزواري” و”شهاب”، وبثت مقاطع مصورة وبيانات عسكرية كشفت عن استخدام طائرة شهاب في تنفيذ هجمات انتحارية على مصنع للكيميائيات في “غلاف غزة” وتجمع للجنود والآليات في موقع “كيسوفيم”.

      وفي الذكرى السنوية الأولى لمعركة “سيف القدس” عام 2022، أصدرت كتائب القسام سلسلة أفلام وثائقية تروي فيها سيرة عدد من قادتها الذين ارتقوا في المعركة، ومنهم قادة مشروع الطائرات المسيرة، وبثت مشاهد عُرضت لأول مرة عن مراحل التصنيع والاختبار الميداني للطائرات.
      وكشفت القسام حينها عن طائرة شهاب الانتحارية التي أشرف على تصنيعها مهندسا الاتصالات الشهيدان حازم الخطيب وظافر الشوا، وعلاقتهما بالقائد العام للقسام محمد الضيف وأحمد الجعبري، ومتابعتهما المباشرة للمشروع.

      كذلك تمت الإشارة لدور المهندس الأردني جمعة الطحلة في المشروع، إذ تم الكشف عن التحاقه بصفوف القسام عام 2007، وانضمامه إلى قسم التصنيع حيث تدرب وعمل إلى جانب الزواري، وشارك معه في تطوير النسخ الأولى.

      1. أبرز الطائرات المسيرة القسامية

      مسيرة أبابيل “إيه1” (A1)

      كشفت عنها كتائب القسام لأول مرة خلال معركة “العصف المأكول” عام 2014، حيث استخدمت في عملية رصد فوق مبنى وزارة الدفاع الإسرائيلية.

      و”أبابيل” هو الاسم الذي كان ينوي الشهيد نضال فرحات إطلاقه على النسخة الأولى من الطائرة المسيرة التي كان بصدد إنتاجها.

      تضم أبابيل ثلاث نسخ:

        • أبابيل “إيه 1 إيه” (A1A) ذات مهام استطلاعية.
        • أبابيل “إيه 1 بي” (A1B) ذات مهام هجومية-إلقاء قنابل.
        • أبابيل “إيه 1 سي” (A1C) ذات مهام هجومية-انتحارية.

        مسيرة الزواري

        طائرة مسيرة للرصد والاستهداف المباشر بالقنابل المحمولة، ظهرت لأول مرة خلال عرض عسكري نظمته كتائب القسام عام 2015، ودخلت الخدمة خلال معركة “سيف القدس”.
        وقد استخدم القسام منها 35 طائرة في الضربة الافتتاحية لمعركة “طوفان الأقصى”.

        مسيرة شهاب

        طائرة مسيرة انتحارية، دخلت الخدمة لأول مرة في معركة “سيف القدس”، واستخدمت لضرب مصنع الكيميائيات في مستوطنة “نير عوز” شرق خان يونس، واستهداف تجمع لجنود الاحتلال في موقع “كيسوفيم” العسكري، ومنصات الغاز في عرض البحر قبالة مدينة غزة.

        1. التحديات
          واجهت كتائب القسام تحديات جسيمة في رحلتها نحو تطوير الطاءرات المسيرة:
        • نقص المواد الخام: وقد تم حل المشكلة جزئيًا بإعادة تدوير المعدات العسكرية الإسرائيلية والذخائر غير المنفجرة.
        • الطاقة الكهربائية: تطوير بطاريات محلية الصنع ذات كفاءة عالية.
        • نظم التوجيه: تم الاعتماد على أنظمة بصرية متطورة بديلة عن GPS.

        تمثل تجربة كتائب القسام في صناعة المسيرات نموذجًا فريدًا للابتكار في العالم الإسلامي. ورغم الفارق المادي والتقني الهائل مع “إسرائيل”، إلا أن الإيمان بنصر الله، والإصرار والعقول المبدعة مثل الزواري، إضافة إلى الإيمان بجدوى المشروع، استطاعت تحويل الخيال العلمي إلى واقع ميداني.

        التجربتان، الإسرائيلية والفلسطينية، تعكسان مسارين متباينين. فالأولى قامت على توفر استثمارات ضخمة وإمكانات تقنية عالية جعلت إسرائيل من أبرز المنتجين والمصدرين عالميًا، بينما الثانية نشأت في بيئة محاصرة وبإمكانات محدودة، لكنها استطاعت عبر الإيمان بنصر الله لعباده، والإصرار والابتكار أن تفرض حضورها وتحقق إنجازات لافتة. هذا التباين يوضح أن التكنولجيا لم تعد حكرًا على القوى الغربية، بل يمكن أن تكتسب حتى في ظل ظروف صعبة، إذا توفر الإيمان، الإرادة والخبرة.

        التفاعلات في شبكات الفيدافيرس

        رد واحد على “المسيّرات: الإسرائيلية والفلسطينية”

        1. الصورة الرمزية لـ محمد
          محمد

          الله أكبر

          فضل من الله على عبادهِ

        اترك تعليقاً

        لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *