الحرس الثوري الإيراني: الجذور التاريخية وتحديات المواجهات الكبرى

في ظل الحرب الناشئة حالياً بين النظام الإيراني والصهيونية العالمية بقيادة أمريكا ؛ يبرز اسم ” الحرس الثوري الإيراني” كقوة ورأس حربة للنظام الإيراني.

يُعد الحرس الثوري الإيراني الركيزة الأساسية للنظام السياسي والعسكري في إيران، وهو قوة تجاوزت في مفهومها “الجيش التقليدي” ليكون أشبه بإمبراطورية عسكرية واقتصادية وسياسية شاملة تتعدى في سيطرتها الحدود الإيرانية إلى بلاد أخرى كلبنان واليمن وفلسطين وسوريا تحت شعار مقاومة العدو الصهيوني وحماية مقدسات آل البيت ، بينما لم نر اصدامًا مباشرًا مع الاحتلال الصهيوني – وأمه أمريكا كالذي نراه اليوم ، فكيف نشأت هذه القوة .

النشأة والتأسيس

بعد انتصار الثورة الإيرانية على نظام الشاه رضا بهلوي ، أصدر قائد الثورة علي الخميني قراراً بتأسيس “حرس الثورة” حفاظاً على مكتسبات الثورة وخوفاً من انقلاب قوات جيش نظام الشاه على السلطة الجديدة ، وفي ذاك الوقت لم يُعد الحرس – تنظيميًا – جزءا من القوات المسلحة الإيرانية، بل له قيادة مستقلة، ويتلقى أوامره من المرشد الأعلى للجمهورية.

تطور الحرس الثوري خلال هذه السنوات تطورًا كبيرًا من حيث البنية والتنظيم والقادة وأصبح مع مرور الوقت هو القوة الحاكمة الفعلية للبلاد بخلاف الجيش النظامي الذي انحصر عمله في حماية حدود البلاد، والسيادة الوطنية، والدفاع التقليدي.

حيث يعمل الحرس الثوري على حماية النظام ومكتسباته من كل ما يهدد وجوده ، ويتخذ لذلك كل ما يلزم للحفاظ على قوة النظام الإيراني ضد أعدائه ، حتى أصبح  القوة المهيمنة على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في البلاد.

التشكيل والهيكلة

بحسب دراسات يقدر عدد عناصر الحرس الثوري الإيراني  بما يزيد عن 120  ألف عنصر بين قوات برية وجوية وبحرية.

ويتكون بشكل أساسي من قوات المقاومة ” الباسيج ، وفيلق القدس ، والقوات البرية والقوات الجوية والقوات البحرية ، كما يضم الحرس جهازين آخرين يعملان تحت إشراف المرشد الأعلى ، وهما ممثلية الولي الفقيه ، والمكتب العام لصيانة المعلومات للحرس الثوري وهو جهاز الاستخبارات الخاص بالحرس ، ويشكل مقر خاتم الأنبياء المركزي أعلى قيادة عملياتية مشتركة للقوات المسلحة الإيرانية، تأسس ليكون مركز التنسيق بين الجيش والحرس الثوري تحت إشراف مباشر من المرشد الأعلى، ويتولى التخطيط الاستراتيجي، إدارة الأزمات، وتقييم الجاهزية القتالية.

أولاً. فيلق القدس

يقوم الفيلق على فكرة تشكيل جبهة مقاومة قوية في مواجهة إسرائيل وأمريكا في المنطقة بهدف حراسة أهداف الثورة الإسلامية خارج حدود إيران . ويتلخص عمله في التنظيم والتنسيق لعمل الحرس الثوري الإيراني والإشراف على الأعمال القتالية للحلفاء في المنطقة . 

تأسس بعد الحرب العراقية الإيرانية بأمر من المرشد الأعلى علي خامنئي ، وذلك نهاية الثمانينات.

عين خامنئي قاسم سليماني لقيادة الفيلق عام ١٩٩٨ ، حيث عُرِف عهده بالعهد الذهبي حيث توسعت أنشطة الحرس بشكل كبير في المنطقة، إذ أسس سليماني نفوذا واسعاً لإيران في دول المنطقة إلى أن تمت تصفيته من قبل أمريكا عام ٢٠٢٠ في العراق بغارة جوية.

ويندرج داخل الفيلق قيادات تلي القائد في الترتيب الوظيفي ، تبدأ بنائب القائد ثم المساعد الثقافي والمساعد المنسق ومساعد الاستخبارات ومساعد المواد البشرية . 

وكثيراً ما يصطدم جناح فيلق القدس الذي يعد رأس حربة الحرس الثوري بجناح الدبلوماسية السياسية الإيرانية .

كان أول ظهور للفيلق في الحرب الأهلية اللبنانية بعد الغزو الإسرائيلي ، وذلك في تنظيم قوات حزب الله .

ثم قدم الدعم لتحالف الشمال في أفغانستان ضد حركة طالبان ، وازداد نشاطه الفيلق بعد الغزو الأمريكي للعراق في دعم وتنظيم ومساعدة الحركات الشيعية المسلحة في العراق وبالأخص منظمة بدر التي ساعدت الأمريكان في إسقاط نظام صدام واحتلال العراق وبعد ذلك محاربة فصائل المقاومة العراقية السنية .

وبعد الثورة السورية انتقل ثقل فيلق القدس إلى سوريا لمساعدة رأس النظام بشار الأسد في حربه ضد الشعب السوري ، ودعم كذلك حركات الجهاد الإسلامي وحماس الفلسطينيتين من خلال التسليح والتدريب ، وفي اليمن دعم الفيلق جماعة الحوثي في تمردهم ضد الحكومة المركزية في أعقاب الثورة اليمنية عام ٢٠١١ . 

ثانيًا. الباسيج 

أو قوات التعبئة الشعبية شبه العسكرية ، وهي مجموعات تطوعية تقوم بحماية النظام الداخلي حيث تضم مختلف شرائح المجتمع ، يدربهم الحرس الثوري للقيام بأدوار اجتماعية ثقافية بطابع عقائدي تعبوي ، ولا يُعرف لهذه القوات عدد محدد بحسب دراسات ، فهي أشبه ما تكون بحراك ثوري شعبي . 

تأسست هذه القوات نهاية عام 1979 إثر نجاح الثورة الإسلامية ، وخلال الحرب العراقية ‏الإيرانية بين عامين 1980 و 1988 وكلت إلى إلى قوات الباسيج مهمة اقتحام حقول الألغام لتمهيد الطريق للقوات النظامية ، ويذكر أن قوات البسيج حشدت وقتها مليوني شخص أثناء الحرب خدم ربعهم في جبهات القتال.

‏وبعد تجريبهم في هذه الحرب أصبح أعضاء هذه القوات يمثلون قوة يستعان بها لقمع والسلوك المناهض للنظام الداخلي ، و تدفع الدولة رواتب ثابتة من ميزانية الحرس الثوري لأعضاء الباسيج ويحصل المنتسبون على امتيازات عديدة عل شكل مكافآت وقروض ومنح دراسية .

شاركت قوات الباسيج عام 2009 في قمع عشرات آلاف المتظاهرين الذين احتجوا على خسارة مرشح قوى المعارضة مير حسين موسوي آنذاك ، فقتلت منهم العشرات واعتقلت المئات ، وشكلت الاحتجاجات وقتها أكبر أزمة داخلية منذ نجاح الثورة الإيرانية .

أما على الصعيد الخارجي فقد استعمل الحرس الثوري قوات الباسيج في سوريا والعراق بذريعة حماية الأماكن المقدسة ، وكان ذلك غطاء لتنفيذ أبشع المجازر بحق سنة العراق وسوريا بمشاركة من الجيش العراقي والحشد الشعبي والجيش السوري وحزب الله اللبناني . 

ثالثاً : القوات البرية في الحرس الثوري الإيراني :

هي الفرع الأكبر والأقدم ضمن هيكلية الحرس الثوري الإيراني. تعمل هذه القوة بشكل موازٍ للجيش النظامي الإيراني ، لكنها تختلف عنه في مهامها الأساسية التي تركز بشكل أكبر على الأمن الداخلي، وحماية النظام، ومواجهة الاضطرابات، إلى جانب مهام الدفاع الحدودي والعمليات الخارجية.

رابعاً: القوات الجوفضائية :

مرّ تطور السلاح الجوفضائي للحرس الثوري بـ أربع مراحل استراتيجية، تحولت خلالها إيران من “مستورد” للصواريخ البسيطة إلى “مُصنّع” لأعقد التقنيات العسكرية في المنطقة :

1. مرحلة التأسيس

اعتمدت إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية على صواريخ “سكود” الليبية والكورية الشمالية واستوردت التقنية من الصين ، بدأ “حسن طهراني مقدم” (أبو البرنامج الصاروخي) بتفكيك هذه الصواريخ لإعادة تصنيعها محلياً، مما نتج عنه سلسلة صواريخ “شهاب” (شهاب-1 و2)

2. المرحلة التطوير  (2000 – 2015)

طورت القوات الجوفضائية صاروخ “شهاب-3” و”سجيل”، مما وضع كامل الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا ضمن مداها (2000 كم). وتحول التركيز من مجرد الوصول إلى الدقة عبر سلسلة “فاتح 110″، التي تستخدم أنظمة توجيه متطورة لتقليل هامش الخطأ إلى أمتار قليلة .

3. ثورة المسيرات والفضاء (2015 – 2022)

ثورة المسيرات: أصبحت إيران “قوة عظمى في الطائرات بدون طيار”، حيث طورت سلسلة “شاهد” و”مهاجر” ، والتي أثبتت فاعليتها في النزاعات الإقليمية والدولية ، ونجح الحرس في إطلاق أقمار صناعية عسكرية (مثل نور-1 و2) عبر صواريخ حاملة للأقمار (قاصد)، مما منحهم قدرات استطلاع وتجسس ذاتية

4. مرحلة “الفرط صوتي”  (2023 – 2026)

 تم الكشف عن صواريخ “فتاح-1 و2” الفرط صوتية، التي تطير بسرعة تفوق 15 ماخ وتناور للإفلات من صواريخ “باتريوت” و”آررو”

و دخلت القوة الجوفضائية مرحلة “الذكاء الاصطناعي في الاستهداف”، حيث أصبحت المسيرات والصواريخ تعمل ضمن “أسراب ذكية تنسق الهجمات آلياً لتجاوز الدفاعات الجوية الكثيفة .

 تشكل هذه القوة حاليًا أهم عنصر من عناصر الردع  لدى الحرس الثوري في المعركة الدائرة حاليًا بين الحلف الصهيوني وإيران ، إذ تحاول أمريكا وإسرائيل استنزاف مخزون إيران من الصواريخ والطيران المسير وقصفت بشكل مكثف مراكز تخزين هذه الصواريخ ومنصات إطلاق الصواريخ من خلال سيطرتها على المجال الجوي الإيراني .

وحققت هذه الصواريخ ضربات مباشرة ودقيقة خلال الحرب الأخيرة سواء كان ذلك في القواعد الأمريكية في البلدان العربية أم في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة .

وأعلنت أمريكا عن تعطل حاملة الطائرات الضخمة ” جيرالد فورد ” وخروجها عن الخدمة وهذا بفعل الصواريخ الإيرانية .

أما الطيران المسير فلا يقل أهمية عن الصواريخ البالستية حيث استعملته إيران بشكل أكبر في هذه الحرب بضرب الأهداف القريبة في دول الخليج العربي والعراق ، وحققت من خلاله أضرار كبيرة في القواعد والمصالح الأمريكية واستخدمته في عمليات اغتيال دقيقة في حق جنود وضباط أمريكيين ، ووصل هذا الطيران المسير إلى أهداف أبعد في الأراضي المحتلة .وتعتبر طائرة شاهد أبرز الصناعات الإيرانية في هذا المجال .

خامسا : القوات البحرية

تعتمد ايران على هذه القوات في حربها الحالية في إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة البحرية ، وتشكل حالياً تهديدًا كبيراً للسفن التجارية العاربرة للمضيق ، وتتبع في ذلك سياسة حرب العصابات باستخدام مئات الزوارق السريعة والمفخخة لإرباك السفن الحربية الكبيرة من خلال إغراق بحري يصعب صده وطورت ايران هذه الزوارق بمساعدة الذكاء الصناعي .

كما تضم هذه القوات ما يعرف بـ ” حاملات المسيرات البحرية ” تحمل صواريخ بالستية وطائرات مسيرة بعيدة المدى ، بالإضافة للغواصات القزمية من طراز “غدير” يصعب رصدها بالسونار، مخصصة لزرع الألغام وإطلاق الطوربيدات في المياه الضحلة.

وصل
وصل

موقع وصل الإخباري

2٬031 من التدوينات
126 من المتابعين

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا